طبـاعة


حفـظ


ارسال
الجمعة 10 رجب 1430هـ - 03 يوليو2009م
الصكوك والاستثمار في الزراعة والصناعة

د. محمد بن ناصر الجديد 

تشير دراسات اللجنة الاقتصادية والاجتماعية لغرب آسيا ''الإسكوا'' إلى أن منطقة غرب آسيا، أو ما يسمى بمنطقة ''الإسكوا''، هي من المناطق الجغرافية الأقل على مستوى العالم في الموارد المائية. تضم ''الإسكوا'' 13 دولة في غرب آسيا ومصر.

وتصنف 70%، من دول ''الإسكوا'' على أنها مناطق ذات مخزون شحيح جدا، أو شبه معدوم، من الموارد المائية، والدافع خلف هذا التصنيف كون منطقة ''الإسكوا'' تحتوي على 0.4 %، من الموارد المائية الموجودة في العالم، على الرغم مما يشكله سكان ''الإسكوا'' من 3%، من تعداد السكان العالمي.

تتباين أنواع الموارد المائية و نسبها في منطقة ''الإسكوا'' بين ثلاثة أنواع من الموارد: مياه سطحية، بنسبة 81%، ومياه جوفية، بنسبة 9 %، ومياه غير تقليدية، بنسبة 10%،. تنوع موارد المياه غير التقليدية من مياه الآبار، بنسبة 66 %، ومياه الصرف الصحي المعالجة، بنسبة 20 %، ومياه تحلية مياه البحار، بنسبة 14 %، تتباين كذلك قنوات الاستهلاك الموارد المائية ونسبها في منطقة ''الإسكوا'' بين ثلاثة أنواع من القنوات: الاستهلاك الزراعي، بنسبة 84 %، والاستهلاك الصناعي، بنسبة 8%، والاستهلاك المنزلي، بنسبة 8%، تقودنا إحصاءات الموارد المائية هذه عن منطقة ''الإسكوا'' إلى النظر عن قرب عن مثيلات هذه الإحصاءات في السعودية. تشير إحصاءات ''الإسكوا'' إلى أن معدل منسوب سقوط الأمطار السنوي في السعودية 112 ملم.

تعد هذه النسبة منخفضة، كون معدل منسوب سقوط الأمطار السنوي في العالم 250 ملم. تتفاوت مناطق المملكة في هذا المعدل بين أقل، كما هو الحال في جنوب شرق السعودية، إلى أعلى، كما هو الحال في جنوب غرب المملكة بمعدل 600 مليمتر سنويا.

كما تشير إحصاءات ''الإسكوا'' إلى أن معدل استهلاك الفرد في السعودية في الوقت الراهن يعادل 95 %، من كمية الموارد المائية المتوافرة. ويتوقع أن يزداد معدل استهلاك الفرد في السعودية في عام 2020 ليصل إلى 317%، من الموارد المائية المتوافرة.

بمعنى عجز في نسبة توافر الموارد المائية بمقدار 217 %، الدافع خلف هذا العجز التفاوت الكبير بين معدل الاستهلاك السنوي ومعدل الإنتاج السنوي من الموارد المائية. حيث يقدر أن السعودية تستهلك قرابة 22 كيلو مترا مكعبا من المياه سنويا، وتنتج في الوقت ذاته قرابة 2.5 كيلو متر مكعب. ويتم تغطية الفرق بين كمية الاستهلاك والإنتاج من خلال الاعتماد على الموارد المائية غير التقليدية، كمياه الآبار، والصرف الصحي المعالج، والتحلية.

تقودنا هذه الإحصاءات حول توقعات زيادة حجم الطلب على الموارد المالية في السعودية إلى النظر في أهم الأسباب الشمولية والموضوعية. من أهم الأسباب الشمولية، أولا، توجه الاقتصاد السعودي نحو تنويع مصادره الطبيعية. وثانيا، زيادة معدلات النمو السكاني. وثالثا، التوسع في إنشاء المدن الاقتصادية والصناعية.

ومن أهم الأسباب الموضوعية، ما يمكن أن أطلق عليه الثالوث المائي: الزراعة، والري، والألبان. كل طرف يشكل قناة استهلاك رئيسة للموارد المائية. حيث تستهلك الزراعة قرابة 80 إلى 90%، من الموارد المائية في السعودية. تشير بعض الإحصاءات على سبيل المثال أن ما استهلكته زراعة القمح منذ السبعينيات الميلادية يبلغ قرابة 60 إلى 70 مليار ريال سعودي. وعلى الرغم من القرار الحكيم بوقف الدعم الحكومي للقمح و التوجه نحو الاستيراد حتى 2016، إلا أن التحدي الآخر ما زال يحتاج إلى مواجهة جريئة.

والتحدي الآخر هو أنظمة الري الزراعي القائمة في عدد ليس بالقليل من المناطق الزراعية في المملكة. تستخدم مجموعة من أنظمة الري تقنيات حديثة تعتمد على أسلوب الضغط العالي بهدف تغطية أكبر مساحة ممكنة من الحقول الزراعية.

أحد أهم سلبيات هذه التقنية تبخر قرابة 40 إلى 50%، من المياه خلال عملية الري، عطفا على قوة دفع المياه، وحرارة الطقس. وعلى الرغم من ظهور تقنيات ري حديثة تسهم في معالجة هذا التحدي، إلا أن عددا قليلا من الأراضي الزراعية في المملكة يعتمد عليها كآلية ري رئيسة. ويأتي بعد تحدي الزراعة والري، تحدي آخر يتمثل في صناعة الألبان ومشتقاتها. تحظى المملكة بعدد ليس بالقليل من مصانع الألبان ومشتقاتها. وبلغت هذه الصناعة مراحل تنافسية متقدمة أوصلت منتجاتها للأسواق العالمية.

وعلى الرغم من هذه الإنجازات، إلا أن السلبيات تحتاج إلى وقفة تأمل. تشكل زراعة الأعلاف ومرحلة إنتاج الألبان محطات استهلاك رئيسة في صناعة الألبان ومشتقاتها. حيث تحتاج مزارع الأبقار إلى الأعلاف كعنصر غذائي رئيس لها.وتحظى الأعلاف المنتجة بجودة عالية مقارنة بالأعلاف المستورة. وعلى الرغم من ذلك، إلا أن إنتاج أعلاف ذات جودة عالية يلزمه كميات كبيرة من المياه. وإضافة إلى الأعلاف، فإن مرحلة إنتاج الألبان ومشتقاتها تستهلك كميات كبيرة من المياه اللازمة لإنتاج المنتج النهائي، كاللبن والحليب. تقودنا القراءة السريعة في تحديات الموارد المائية في المملكة إلى النظر في آليات مواجهة حديثة. من الأهمية بمكان أن تأخذ أي آلية مواجهة جديدة في الحسبان أمرين: الأمر الأول استدامة دعم سياسات ومشاريع الأمن الغذائي. والأمر الثاني تحقيق الدعم الشمولي لجميع القطاعات الإنتاجية في آن واحد.

من هذه الآليات المقترحة توفير منتجات استثمارية جديدة من شأنها الربط بين أربعة قطاعات إنتاجية سعودية, الأول قطاع الزراعة، والثاني قطاع صناعة الألبان ومشتقاتها, والثالث قطاع المياه، والرابع قطاع الخدمات الاستثمارية.

تتم آلية التنفيذ من خلال التحول التدريجي من زراعة الداخل إلى زراعة الخارج, ومن تصنيع الألبان ومشتقاتها في الداخل إلى تصنيعها في الخارج. ومن التقشف في معالجة الموارد المائية القائمة إلى التوسع فيها، ومن التركيز في إصدار الصكوك التمويلية، إلى الانتشار في إصدار الصكوك الاستثمارية. بمعنى آخر توظيف الصكوك، كأداة تمويلية حديثة في السوق المالية السعودية، نحو استثمارها في مشاريع إنتاجية مشتركة تربط بين قطاعات الزراعة، وصناعة الألبان ومشتقاتها، والمياه، بما يضمن - بعون الله تعالى - الحفاظ على مواردنا المائية، عنصر الحياة الرئيس، ''وجعلنا من الماء كل شيء حي".

*نقلاً عن صحيفة "الاقتصادية" السعودية.

عودة للأعلى
تعليقات حول الموضوع
 
 
هل ترغب في التعليق على الموضوع؟
الاسم :  
عنوان التعليق :  
نص التعليق :