ابراهيم محمد
مؤسسات القطاع الخاص عموماً أفضل أداء وكفاءة من مؤسسات القطاع العام، حتى مع الاستثناءات الكثيرة التي بلغت ذروتها مع أزمة المال والاقتصاد التي تواجه تحدياتها منذ شهور. فقد أثبتت التجربة أن المؤسسات المالية الخاصة، في مقدمها المؤسسات الأميركية، شكلت شرارتها الأولى والأساس.
هذه الاستثناءات التي بلغت ذروتها في الأزمة المذكورة دفعت اخيراً، كثراً من مختلف المراتب الاجتماعية إلى شن حملة لا تخلو من العشوائية على القطاع الخاص، تحمّله فيها مسؤولية الأزمات والكوارث الاقتصادية، وإلى المطالبة بتعزيز دور الدولة من خلال القطاع العام الاقتصادي والمؤسسات الحكومية، لأنهم يرون ان المؤسسات الخاصة عاجزة عن لعب دور ريادي في عمليتي التنمية والتحديث، بخاصة في البلدان النامية، ومن بينها البلدان العربية. ويرد عليهم المتعصبون لاقتصاد السوق بالمنطق ذاته، داعين بدورهم إلى الاستمرار في إبعاد الدولة عن النشاط المباشر في الحياة الاقتصادية.
وهكذا تحول النقاش بين الفريقين إلى ما يشبه حصر المشكلة - الأزمة بشكل الملكية، متناسين أنها لم تكن كذلك في يوم من الأيام. ومن الأدلة على ذلك أن الأزمة الراهنة ليست مرتبطة بالشكل المذكور، بل بغياب الإطار القانوني تارة والرقابة الحكومية على أنشطة المؤسسات المالية، بغض النظر عن شكل ملكيتها تارة أخرى. ما يفسر معاناة بنوك وشركات تابعة للدولة أو للقطاع العام من خسائر وإفلاسات تشبه تلك التي تعاني منها مثيلتها في القطاع الخاص. وقد دلت الوقائع على أن الفساد والتجاوزات مورست بمستويات متشابهة في القطاعين اللذين سعيا إلى حجب الحقائق والترويج لأرباح وهمية تبين في ما بعد أنها خسائر قاتلة.
راجت في العقدين الماضيين نظرية وسياسات اقتصاد السوق لدرجة الثقة العمياء بالقطاع الخاص وقدراته على التنمية والتطوير والإبداع. غير أن الرقابة على أنشطته بقيت في الظل ما عزز مكانة الرأسمالية المضاربة تارة والمتوحشة تارة أخرى، على حساب الرأسمالية العقلانية التي تقوم على المنافسة وتكافؤ الفرص تحت إشراف غير مباشر للدولة. ولحسن الحظ أن العرب والصينيين والأوروبيين باستثناء البريطانيين، إضافة إلى دول أخرى صاعدة، لم يطبقوا هذا النموذج كما طبقته الولايات المتحدة وإلا لكانت السيطرة على الأزمة الحالية غير ممكنة. وأثبتت تجارب دول عربية، «الثقة جيدة، غير أن الرقابة أفضل»، بحسب مثل الماني. هذه الرقابة مطلوبة اليوم أكثر من أي وقت مضى من قبل الدولة، لكن من طريق مؤسسات أكثر مناعة في وجه الفساد والتجاوزات واكثر قدرة على مواكبة التطورات الاقتصادية ووضع الأطر القانونية لها في الوقت المناسب.
ومن المؤكد أن تركيز الدولة على دور تشريعي ورقابي جديد أفضل بكثير من إقحامها في النشاط الاقتصادي المباشر، اذ لا يمكن لدولة في العالم أن تقوم بدور الشركات الخاصة من خلال موظفيها وبيروقراطيتها. وخير دليل على ذلك تجربة بلدان المعسكر الاشتراكي سابقاً.
خلاصة القول إن الوقت حان للتوقف عن تركيز النقاش على أشكال الملكية بدلاً من تركيزه على أشكال التنظيم والرقابة. ولا يتعارض هذا القول مع تدخل الدولة مباشرة في النشاط الاقتصادي عند الضرورة، كما فعلت ألمانيا اخيراً من خلال تملكها حصة 20 في المئة في «كوميرس بنك» وتأميمها بنك الاستثمار العقاري «ريل ايستيت بنك». ولافت أن الحكومة الألمانية التي قامت بذلك تتزعمها المستشارة المحافظة انغيلا مركل التي يعد حزبها في مقدم الأحزاب الأوروبية دفاعاً عن الليبرالية الاقتصادية وحرية الأسواق.
* نقلا عن صحيفة "الحياة" اللندنية. |
