طبـاعة


حفـظ


ارسال
الثلاثاء 07 رجب 1430هـ - 30 يونيو2009م
بعد انتقال العدوى من الفرد إلى الشركات.. من يحمي هيبة الشيك السعودي؟!

د. عبدالعزيز بن علي المقوشي 

نظام الأوراق التجارية الصادر بالمرسوم الملكي رقم م/37 وتاريخ 11/10/1383ه نص على تجريم إصدار شيكات بدون رصيد، وفرضِ عقوبات على مرتكب هذا الفعل، وذلك النظام مستمدٌ من النظام الدولي الموحد الذي صدر في جنيف. وقد أوضح هذا النظام نصاً وتفصيلاً صور هذه الجريمة وعقوباتها، كما أنّ وزارة الداخلية كانت قد أصدرت تعميماً برقم 16/98628 وتاريخ 17/12/1415ه، مفاده أنّ الشيكات بدون رصيد تُعدّ من القضايا التي يُعمّم عنها جنائياً. وأذكر أنّ صاحب السمو الملكي الأمير نايف بن عبدالعزيز النائب الثاني لرئيس مجلس الوزراء، وزير الداخلية – حفظه الله - قد وجّه تعميماً لإمارات المناطق والأمن العام وهيئة التحقيق والادعاء العام أجاز فيه ملاحقة الأشخاص الذين يصدرون شيكات من دون رصيد (جنائياً) للقبض عليهم في حال تعذّر إحضارهم بالطرق العادية بعد أن يصدر بخصوص قضاياهم قرار نهائي من مكتب الفصل في منازعات الأوراق التجارية.

ومنذ عرفت نفسي وأنا أسمع عن مشكلة الشيكات بدون رصيد التي يحررها الأفراد عندنا لبعضهم البعض، فيكتشف حامل الشيك بأنه لا يملك أكثر من ورقة لا تُسمن ولا تُغني من جوع، فلا يملك أكثر من أن يتحسب الله على من ظلمه، ويدخل في مماطلات ومعاناة وملاحقة في محاولة يائسة لصرف ذلك الشيك، وربما تكلف "المسكين" أكثر من قيمة ذلك الشيك الذي يحمله.

وفي معظم – إن لم يكن جميع – دول العالم يُعد الشيك نقداً ويَعْتَبِرْ القانون من يتلاعب به ويحرره بدون أن يكون لديه رصيد مرتكباً لمخالفة قانونية تصل عقوباتها - حتى وإن كفّر عن ذنبه ودفع كامل المبلغ - إلى السجن والغرامات المغلظة.. وحقيقة لا أدري مالذي يجعل الجهات المعنية وخاصة تلك التي تشرف على العملية التجارية عندنا عاجزة أو متكاسلة عن معالجة هذا الموضوع الذي لا يحتاج علاجه إلى تخطيط أو تفكير أو ورش عمل.. المسألة لا تتعدى أكثر من تطبيق النظام الصادر ومعرفة ما يتم فعله في دول العالم ومحاكاته، وهو أمر سهل للغاية وعملي أيضاً، فلماذا يستمر هذا الاستهتار وهذا التهاون واللامبالاة في المسألة التجارية، حتى أن بعضهم يحرر شيكاً على حساب، ويستخدم حساباً آخر ربما في نفس البنك.. والهدف واضح جدا يتلخص في "الضحك على الذقون" وأكل أموال الناس بالباطل وإضاعة وقتهم وجهدهم دون حساب فمن أمن العقوبة أساء الأدب.. والمشكلة التي تستفزني كثيرا تلك المعاناة التي كنت ألمسها شخصياً خلال عملي السابق مساعداً لأمين عام الغرفة التجارية الصناعية بالرياض من أفراد شاءت الأقدار أن تُحرر لهم شيكات دون رصيد فيضيع جهدهم ووقتهم دون فائدة وكانت وزارة التجارة قد ذكرت قبل فترة أن قضايا الشيكات بدون رصيد التي "تكومت" لديها قد بلغت 5800 قضية.

كل ذلك يمكن احتماله وتوقعه، لأن التمني غير التوقع، فنحن فعلاً نتمنى أن يكون النظام المالي بخصوص الشيكات صارماً ودقيقاً يمنح كل ذي حق حقه، لكن ما نتوقعه ونلحظه شيئاً آخر، إنما ما لا يمكن مطلقاً لعاقل أن يحتمله أن تحذو الشركات حذو الأفراد أيضاً فتحرر هي الأخرى شيكات دون رصيد أو تتلاعب في حقوق الناس أفراداً أو شركات، وهو ما يعطي سمعة سلبية للغاية عن نظامنا التجاري، وبقدر فرحتي بفكرة اندماج شركة القصيم الزراعية مع مجموعة البندرية التي تمثل توجها رشيدا في مرحلة زمنية يعتبر البقاء فيها للأقوياء وتمثل عمليات الاندماج فرصة حقيقية لتنمية وتطوير منشئاتنا الاقتصادية، إلا أن تلك الفرحة أطفأتها ما تناقلته وسائل الإعلام المحلية من خلافات بين الشركتين تمثل ضعفا في الشفافية والإفصاح أدت إلى تعثر عملية الاندماج تلك وهو أمر محبط جدا وبقدر ضعف معلوماتي عن مسببات التعثر بشكل مفصل إلا أنني لا أجد مبررا مطلقا لتحرير إحدى الشركتين للأخرى شيكات دون رصيد كجزء من قيمة تلك الصفقة ومصدر الاستياء يتمثل في عدم قبول أي عاقل محب لوطنه أن تصل مسألة الاستهتار بالشيك إلى أن يتلاعب به الأفراد والشركات أيضا وهو أمر مخجل جدا.

أتصور أن على وزارة التجارة والصناعة إن كان يعنيها موضوع سمعة وطننا التجارية اتخاذ موقف حازم وصارم أمام هذا الموضوع ومعاقبة المخطئ أولاً فيما يتعلق بتحرير شيكات دون رصيد، وثانياً فيما يتعلق بتعثر تلك الصفقة إن كان هناك معلومات غير صحيحة تم تمريرها من طرف لآخر أو إخفاقا فيما يتعلق بالشفافية والإفصاح من قبل إحدى الشركتين فلا مبرر مطلقاً لهذا السكوت المميت.. ودمتم.


* نقلا عن صحيفة "الرياض" السعودية.

عودة للأعلى
تعليقات حول الموضوع
 
 
هل ترغب في التعليق على الموضوع؟
الاسم :  
عنوان التعليق :  
نص التعليق :