صلاح صبح
إنه فن "إنقاذ المركب" قبل الغرق بعيداً عن "العنجهية" واختلاق البطولات الوهمية على حساب المصلحة العامة.
خرج الكل رابحاً من أزمة سندات "مجموعة دبي المصرفية - شعاع كابيتال"، بعدما أسدل الستار عليها بعد فصول من المشاحنات والتصعيد المتبادل استمر طوال 8 أشهر، على طريقة الأفلام المصرية القديمة التي لا بد من أن تنتهي نهاية سعيدة بعد صراعات ودراما بين كل أطراف الفيلم.
نهاية الأزمة كانت سعيدة للطرفين بلا شك، فكلاهما في "المركب" نفسه، بغض النظر عن أيِ منهما كان أكثر سعادة، فالحل الذي تم التوصل إليه بمبادرة ورعاية من هيئة الأوراق المالية والسلع ضمِن عدم غرق "المركب" بمن فيه.
ولا يمكن القول إن الاتفاق الجديد المبرم بين الطرفين والقاضي بتخفيض سعر تحويل السندات من 6 دراهم إلى 2.91 درهم، كان لمصلحة طرف على آخر، رغم أن ظاهره يضمن للمجموعة "سيطرة" على "شعاع" على حساب المؤسسين وباقي المساهمين في الشركة، لأن حصة "دبي المصرفية" في أسهم الشركة سترتفع بعد عملية التحويل بالسعر الجديد للسهم إلى 48 بالمئة، بدلاً من 32 بالمئة.
الاتفاق الجديد اتسم بالعقلانية و"فن الممكن" بعيداً عن "حرب المحاكم" وعمليات "ليّ الأذرع" التي كانت ستحدث بين الطرفين بعد إعلانهما المتبادل اللجوء إلى القضاء قبل يوم واحد من تدخل "الهيئة" لتقريب وجهات النظر والتوصل إلى اتفاق.
لم يكن في استطاعة أي طرف أن يخرج منتصراً من هذا النزاع إذا تمسك بتفسيره لبنود الاتفاق القديم المبرم في أكتوبر 2007، والذي أصدرت "شعاع" بمقتضاه سندات قيمتها 1.5 مليار درهم، على أن يتم تحويلها إلى أسهم في موعد استحقاقها في أكتوبر 2008، بسعر 6 دراهم للسهم.
ما حدث هو أن البورصات العالمية انهارت في منتصف عام 2008، وما زالت "تترنح" حتى الآن، وتبخرت تريليونات الدولارات في قاعات التداول، ولم يكن سوق دبي المالي بعيداً عن الأحداث، إذ نال نصيباً لا بأس به من هذه الخسائر غير المسبوقة منذ الكساد الكبير عام 1929، وكانت شركات الاستثمار المدرجة في السوق، وأبرزها "شعاع كابيتال"، بين أكبر الخاسرين، لأن نشاطها مرتبط بشكل مباشر بأسواق المال.
لم تكن الأزمة بين الطرفين لتحدث لولا الانهيار الذي ضرب السوق المالي.
سهم الشركة تهاوى من فوق القمة التي وصل إليها في يونيو 2008، عند 8.51 درهم قبل 4 أشهر من الموعد المحدد لإتمام عملية التحويل، مستمراً في نزيفه حتى وصل إلى 1.3 درهم قبل يوم واحد من التوصل إلى اتفاق التسوية.
وبالطبع كل طرف له منطقه في تصعيد النزاع؛ فـ "شعاع" ترى أن من حقها تحويل السندات إلى أسهم بالسعر المتفق عليه والبالغ 6 دراهم، وفقاً لبنود الاتفاق القديم ومن دون الرجوع إلى الطرف الثاني، فيما ترى "دبي المصرفية" أن سعر التحويل غير مناسب، لأنه يقل بنحو 3 أضعاف عن سعر الإغلاق في اليوم الذي لجأت فيه "شعاع" إلى استخدام ما تراه حقها في إجراء عملية التحويل منفردة، قبل أن تتدخل الجهات المنظمة للسوق، وعلى رأسها "الهيئة" لإيقاف عملية التحويل.
اتفاق التسوية يعد مرضياً للطرفين؛ فـ "شعاع" لم يكن بمقدورها إعادة قيمة السندات كاملة إلى "المجموعة"، نظراً لوضعها المالي الحالي، وتكبدها خسائر قاسية بلغت ذروتها في الربع الأول من 2009، حينما خسرت 198 مليون درهم، أي أقل قليلاً من نصف رأسمالها البالغ 550 مليون درهم، وبالنسبة لـ "دبي المصرفية" انخفض سعر التحويل بأكثر من 50 بالمئة، ما ترتب حصولها على حصة إضافية من أسهم "شعاع" تقدر بـ 16 بالمئة، بدلاً من الدخول في نزاع قضائي طويل لا يعرف مداه إلا الله.
الأزمة تأتي في سياق آثار الأزمة المالية العالمية، وتداعياتها على المنطقة الخليجية، ومن غير المستبعد أن نرى أزمات مثيلة خلال الفترة المقبلة، وحينها نتمنى أن تدار الأمور بالقدر نفسه من "العقلانية" و"فن الممكن".
* صحفي اقتصادي
