طبـاعة


حفـظ


ارسال
الخميس 18 جمادى الثانية 1430هـ - 11 يونيو2009م
هل الاقتصاد البحريني ضد التأثر بتبعات الأزمة العالمية!!

عبدالرحيم فقيري 

جميع المؤشرات الاقتصادية في البحرين أعلنت منذ زمن ليس بالقصير، رفضها القاطع للإذعان لأية أوامر صادرة عن غرف العمليات التي باتت تدير دفة الأمور في الأسواق العالمية الرائدة بدرجة عالية من التوترات في جو ملبد بعدم الثقة بكل شىء، كما قاطعت جميع محاولات الانضمام إلى جيوش المقاومة التي استنهضت هممها للتصدي للانهيار العظيم الذي فاجأ الاقتصاد العالمي على حين غرة، كاشفة للجميع زيف (الانتعاش غير المسبوق للاقتصاد العالمي) الذي طاب لزمرة مضللة من الذين أتقنوا فن اللعب بـ (البيضة والحجر) أن يؤلفوا مسرحية عالمية كبيرة استلذ الجميع مشاهدة فصولها على أنغام الارتفاع الجنوني غير المبرر لأسعار النفط، متجاهلين تماما التحذيرات التي أطلقتها منظمة الدول المصدرة للنفط (أوبك) مرارا وتكرارا، كما تجاهلوا محاولاتها الكثيرة فضح حجم الطلب الحقيقي الذي يقل عن المعروض النفطي بواقع الضعفين، وهو ما أثبتته الأيام لاحقا.فرغم التقليص الكبير للمعروض النفطي من قبل أوبك بعد الأزمة، والتراجع الحاد للاستهلاك العالمي، قياسا بما كانا عليه حتى منتصف أغسطس 2008، فإن أسعار النفط لم تستعد مجدها الآفل عند مستويات فوق الـ 140 دولارا للبرميل)، وواقع الحال أن الأسواق العالمية ما زالت تعاني وطأة حمولة تقدر بنحو مليون برميل يوميا تضخ إليها، من دون أن تدري كيف تصرفها، فحالة الكساد التي رزحت تحته الأسواق العالمية، جعلتها غير قادرة على هضم الكميات المقلصة التي تضخ من منظمة دول منتجة للخام تقدر حصتها من إجمالي الإنتاج العالمي بحوالي 40% فقط.
قصة النفط وإنتاجه من داخل المنظمة ومن الدول غير المنضوية إليها والتي تنتج الـ 60% الباقية، وغير المنضبطة بالتوصيات والقرارات التي تصدر عن أوبك، قصة أخرى نتناولها في غير ذي المرة بشيء من التوسع في التحليل، وما يهمنا هذه المرة من قصة النفط، أن مما يثير الدهشة، أن عجلة الاقتصاد البحريني ما زالت تدور من دون تأثرات لافتة، على الرغم من أن عوائد النفط تشكل نحو 25% من إجمالي الناتج المحلي لها، ويثير الدهشة أكثر وأكثر، أن القطاع المصرفي في البحرين يساهم بنسبة مماثلة في الناتج المحلي، فيما يشكل القطاع الصناعي والتجاري أكثر من 30%.

قد نفهم بشيء من المنطقية، أن الصناعة المصرفية في البحرين على الرغم من أن أكثر من 75% من مكوناته مؤلفة من مصارف أوفشور (الوحدات المصرفية الخارجية)، وبنوك وشركات استثمارية معظمها ذات رساميل أجنبية، والــ 25% المتبقية منها هي فقط المصارف التجارية، قد نفهم أن الصناعة المصرفية في البحرين ما تزال لم تقرر بعد الركوع تحت ضغط واقع حال الصناعة المصرفية في الأسواق العالمية، لأنها تعمل وفق تشريعات وضوابط وقوانين صلبة صيغت لتشكيل الحماية للمصارف العاملة في المملكة في أوقات الأزمات المماثلة، ولكن ما لا يمكن استيعابه بالفعل هو عدم تأثر الاقتصاد البحريني بالانهيار السعري للنفط، كما يصعب على الاستيعاب عدم تأثر واقع الصناعة والتجارة في البحرين بالنكسة الفعلية التي ضربت قطاعات ذات صلة وثيقة بالمنتجات البحرينية التي تشكل قوام الصناعة لديها.

فالبحرين تعتمد على عدد محدود من المدخلات الأساسية للإنتاج الصادر هي: المشتقات النفطية والبتروكيماويات، الألمنيوم، والملابس الجاهزة.
فيما يتعلق بالمشتقات النفطية، فإن تأثر الاقتصاد العالمي ودخوله مرحلة الانكماش والكساد، يقضي على كل فرصة لإمكانيات تنمية حجم الصادر من هذه المشتقات إلى الخارج، بل وعلى جهات الإنتاج أن تترقب حدوث تراجع حاد في حجم صادراتها من هذه المنتجات، ولاسيما أن كل المؤشرات تدل على أن المرتقب من تبعات الأزمة المالية أكثر بكثير مما أعلن عنه أو مما تعايشه الأسواق حاليا.

أما فيما يتعلق بالألمنيوم، فإن الركود والانهيار الكبيرين اللذين ضربا قطاع التشييد والبناء منذ إعلان أزمة الرهن العقاري الذي كان أحد أسباب تفجير الأزمة المالية العالمية التي سرعان ما تحولت إلى أزمة اقتصادية عالمية، لا بد أن يؤثر تأثيرا كبيرا على حجم الصادر البحريني من هذا المعدن الذي بات أحد مكونات البناء الأساسية سواء في الداخل البحريني الذي تباطأت فيه حركة البناء بفعل نقص التمويل المصرفي في ضوء الحذر الكبير الذي تمارسه المصارف في إقراض الأفراد والشركات، أو على مستوى الأسواق العالمية المتأثرة بدرجات ومستويات أكبر من التأثر الداخلي للمملكة.
فيما يتعلق بالملابس الجاهزة، فإن الولايات المتحدة تشكل المستهلك الرئيس للمنتج البحريني من هذه الصناعة، وعلينا أن ندرك جيدا أن حالة الوباء المتفشية من حالات الاستغناء الجماعي عن العاملين والإعلانات التي تلي بعضها بعضا عن إغلاق مصانع أو فروع لمصانع، وحالات التشرد والنوم على الأرصفة التي استتبعت إعلان أزمة الرهن العقاري، وأزمة توافر السيولة لدى المصارف الكبيرة، وبالتالي لدى المستهلك الأمريكي، كل هذه الحقائق ينبغي أن تصلني بقناعة من أن الاقتصاد بات مأزوما في قطاع تشكل عوائده 30% من الناتج الإجمالي المحلي.

بهذا التحليل الذي أجده منطقيا جدا، فإن 80% من مكونات الاقتصاد البحريني، تعيش واقع أزمة حقيقية يعيشها الاقتصاد العالمي بأسره، ولا أعتقد أن من المنطقي، أن أحاول الإقناع، بأن الـ 20% المتبقية من مكونات الاقتصاد، هي التي تحمي اقتصادا عالمي السمة من تبعات أزمة يتوقع أن تكون مدمرة لما تبقى من آمال بالتعافي خلال العام المقبل.

نعم، لن تطيل الأزمة البقاء إلى ما بعد فضاءات عام 2011، وتشير التوقعات الأكثر تشاؤما إلى أن العالم سوف يشهد بداية لنمو اقتصادي عالمي جديد مع حلول 2012، غير أن ذلك لا يعني أن يسير الاقتصاد البحريني ضد تيار الاقتصاد العالمي، وأن يبقى محل حماية غير مبررة بمنطق، أشبه ما تكون بحماية إلهية.



* نقلا عن صحيفة "أخبارالخليج" البحرينية.

عودة للأعلى
تعليقات حول الموضوع
 
 
هل ترغب في التعليق على الموضوع؟
الاسم :  
عنوان التعليق :  
نص التعليق :