طبـاعة


حفـظ


ارسال
الأحد 02 ذو الحجة 1429هـ - 30 نوفمبر2008م
الإنتاج العربي أولى بمال العرب

إبراهيم محمد 

من حيث المبدأ يوجد اتفاق بين المواطنين وصناع القرار، على أن العالم العربي سيتمكن من احتواء تداعيات أزمة المال العالمية، التي تمر بها أكثر مناطق العالم باستثناء بلدان قليلة مثل الصين والهند والبرازيل. غير أن هذا الاتفاق يتحول إلى مشاحنات حادة واختلاف في وجهات النظر، حول فرص الاستثمار التي ينبغي استغلالها من جانب رجال الأعمال والصناديق العربية السيادية منها، وصناديق الاستثمار الخاصة لا تزال تتمتع باحتياطات مال كبيرة في المستقبل القريب.

صندوق النقد الدولي وممثلو مؤسسات مال دولية أخرى يرون أن إحدى أهم الفرص تكمن في شراء أجزاء من شركات ومصارف أوروبية وأميركية رئيسة تراجعت أسعار أسهمها إلى أكثر من النصف خلال الشهور الثلاثة الماضية.

وينسى هؤلاء أن الولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي وفي مقدمها ألمانيا وفرنسا، منعت، خلال العام الحالي، تملك مستثمرين أجانب بمن فيهم العرب، حصصاً في هذه الشركات والمصارف على أساس أن تملكها يهدد الأمن القومي الاقتصادي في هذه الدول. وسبقت ذلك مراقبة شديدة من هذه الدول للتحويلات الاستثمارية العربية إليها، في شكل قوي بعد الحادي عشر من سبتمبر/أيلول 2001.

وهكذا اتجه المستثمرون العرب أفراداً ومؤسسات، نحو الاستثمار في الدول العربية في شكل متزايد، ما ساعد بدوره في جذب استثمارات أجنبية إلى تلك الدول في شكل لا سابق له، كما الحال في السعودية ومصر والإمارات العربية المتحدة والمغرب وتونس وغيرها. ولطالما أثبتت هذه الاستثمارات، أنها مجدية أكثر من مثيلتها خارج الدول العربية، فمن الأجدى بالمستثمرين العرب الاستمرار في زيادة استثماراتهم في عالمهم العربي.

ويجب أن يتم ذلك على أساس توزيعها لتشمل قطاعات أخرى إلى جانب القطاع العقاري الذي شهد فقاعة تم تصحيحها إلى حد كبير قبل تفاقم أزمة المال الحالية. والمقصود بالقطاعات الأخرى، الصناعة والزراعة، لأن المبالغة في التعويل على قطاعات الخدمات وحدها لا تخدم التنمية المستدامة كما ظهر أخيراً في بريطانيا وإسبانيا ودول أخرى.

وعلى العكس، استطاعت ألمانيا استيعاب الأزمة في شكل أفضل، لأن اقتصادها لا يزال يعتمد على الإنتاج في التقنيات الصناعية أكثر من أي دولة من دول الاتحاد الأوروبي الرئيسة.

وإذا كان استمرار توجه المستثمرين العرب نحو الاستثمار في قطاعات جديدة وأكثر تنوعاً أكثر ضماناً لاستثماراتهم، فإن على المصارف العربية أن تواكب التنويع في زخمٍ لا يقل فعالية عن مواكبتها توجه الاستثمارات نحو القطاع العقاري خلال الأعوام القليلة الماضية. ولحسن الحظ، فإن مؤسسات المال العربية، في معظمها خرجت من الأزمة المالية بلطمة خفيفة، ما يعني تمتعها بالملاءة والسيولة اللازمتين للمساهمة في تمويل المشاريع الجديدة.

غير أن الخوف من الأخطار قد يمنعها في المدى القريب من الإقدام على ذلك في ظل الأزمة العالمية الحالية. وهنا يأتي دور الحكومات والمصارف المركزية التي ينبغي أن تمد يدها لدعم قرارات المصارف بتوفير السيولة والقروض بفوائد ليست عالية.

وفي هذا الإطار لا بأس من دخول الدولة نفسها كمالك ومستثمر مباشر في مشاريع ذات طابع استراتيجي مثل مشاريع الطاقة والنقل الجوي والسكك الحديد والطرق والاتصالات والصناعات الأساسية التي توفر المواد الأولية والوسيطة.

ولن تكون لهذا التدخل، آثارٌ سلبية على معدلات التضخم التي تشير معظم التوقعات إلى تراجعها في المديين القريب والمتوسط. وستكون نتائج ذلك على الموازنات العامة في الوقت الحاضر، أكثر إيجابية من تبعات سياسة التقشف وشد الأحزمة على صعيد الإنفاق العام. وعلى المصارف المركزية العربية أن تستمر في سياساتها المحافظة التي أثبتت نجاحاً يحتذى به على صعيد التعامل مع الرهون العقارية والقيام بمهماتها الرقابية على أنشطة المصارف التجارية.

وللاستمرار في تحسين أدائها في شكل افضل، لا بد لها من أن تضع آليات أكثر صرامة على صعيد التأكد من ســلامة القروض وفرض مزيد من الشفافية على القطاع المالي بهدف تجاوز ثغرات رقابية كان استغلالها أبرز عوامل اندلاع أزمة المال العالمية.

*نقلا عن صحيفة "الحياة" اللندينة.

عودة للأعلى
تعليقات حول الموضوع
 
 
هل ترغب في التعليق على الموضوع؟
الاسم :  
عنوان التعليق :  
نص التعليق :