وليد خدوري
أعلنت وكالة الطاقة الدولية في تقريرها الشهري الذي صدر الأسبوع الماضي ان إمدادات النفط كافية، وأن السبب الرئيس وراء الزيادات الكبيرة الحالية في الأسعار هو محاولة الدول الصناعية تأمين نفط كاف في مخزونها إلى جانب تلبية الطلب الاستهلاكي. وتمثّل الوكالة الدول الصناعية المستهلكة للنفط في المحافل الاقتصادية الدولية.
ولفتت الوكالة إلى تزايد الدعوات إلى تأمين إمدادات نفطية أكثر مع وصول سعر النفط إلى نحو 125 دولاراً للبرميل. لكن هل نحن حقيقة في حاجة إلى نفط أكثر؟ تكمن الإجابة على هذا السؤال، بحسب الوكالة، في أننا لو أمعنّا النظر في موازين العرض والطلب والأخطار المستقبلية المحتملة، تبيّن لنا ان السبب وراء ارتفاع الأسعار هو زيادة الطلب، وليس نقص الإمدادات.
وأشار التقرير إلى معلومات وتقديرات حديثة تؤكد حصول فائض في سوق النفط خلال الشهرين الماضيين، وتوقّع استمرار هذا الفائض طوال العام الجاري في حال حافظت منظمة «أوبك» على المستوى ذاته من الإنتاج. وأضافت الوكالة ان معدلات الطلب في الولايات المتحدة بدأت تنخفض تدريجاً، وتوقعت ان يستمر هذا الانخفاض، وكذلك أنماط الطلب العالية في كل من الصين والشرق الأوسط.
لكنها أضافت ان الدول المستهلكة تدعو دول «أوبك» إلى زيادة الإنتاج من أجل خفض الأسعار. هذا صحيح، بحسب الوكالة، فزيادة الإنتاج سترفع مستوى المخزون المتوافر لدى الدول المستهلكة، وهذا بدوره سيؤدي إلى تحسين أداء المصافي ومن ثم أسعار المنتجات النفطية. لكن «أوبك» تؤكد ان الإمدادات كافية في الأسواق وأن الوضع يناسب زيادة المخزون.
واختتمت الوكالة مناقشتها للموضوع بالتأكيد على أننا أمضينا الأشهر الـ 18 الماضية نناقش الأمر: هل مستوى المخزون النفطي في الدول المستهلكة كافٍ، وهل توقيت رفع مستوى المخزون مناسب؟ الاعتقاد السائد هو ان السوق فقط تستطيع ان تعبّر عن حاجتها إلى مخزون كافٍ من خلال السعر، فإذا شحت الإمدادات المخصصة للمخزون، ترتفع الأسعار، وإذا أصر بعض الدول المستهلكة على الحصول على مستوى معين من المخزون، سيحصل عليه من خلال منافسة الطلب الاستهلاكي، ما سيرفع الأسعار أيضاً.
وأضافت الوكالة تأثيراً آخر في الأسعار، إلى جانب مستوى المخزون، هو مسألة تصورات المتعاملين في الأسواق المستقبلية، أي بمعنى آخر المضاربات.
صدر التقرير الشهري للوكالة قبيل زيارة الرئيس الأميركي جورج بوش الشرق الأوسط هذا الأسبوع. وعلى رغم ازدحام جدول أعماله (عملية السلام بين فلسطين وإسرائيل والتحدي الإيراني والعراق ولبنان)، من المعتاد، خصوصاً في موسم الانتخابات الرئاسية الأميركية، وعند زيارة السعودية، ان يقول الرئيس الأميركي ان إمدادات النفط من المملكة وبقية دول «أوبك» ليست كافية، وأن يدعو إلى زيادة الإنتاج لخفض مستوى الأسعار.
وأعلن بوش هذا الأمر عند الزيارة الأخيرة إلى الرياض وأبو ظبي، ونتوقع ان يثيره مرة أخرى خلال الزيارة الحالية إلى الرياض، على رغم التقرير الواضح من الوكالة. والسبب في تكراره وتأكيده هذا الأمر هو افتقاره إلى حجة مقنعة وعملية لمعالجة الأسعار، من دون اتخاذ قرارات صعبة تختلف كلياً عن الشعارات الفضفاضة التي يطرحها الحزبان الجمهوري والديمقراطي في مواسم الانتخابات والتي تتلخص بتقليص استيراد النفط الأجنبي، خصوصاً منه العربي.
ولا يسعنا إلا ان نذكر في هذا المجال ما أشارت إليه الوكالة عابراً، وهو تأثير دور المضاربات في الزيادة السريعة والعالية للأسعار. وأفادت نشرة «إنتغريدت أويل أبدايت» الصادرة في نيويورك، أن قيمة التعاملات في العقود الآجلة للنفط الخام (المضاربات) في أسواق «نايمكس» في نيويورك و «آيس» في لندن ارتفعت من نحو 9.5 بليون دولار يومياً قبل خمس سنوات إلى نحو 86 بليوناً يومياً السنة الماضية، ثم إلى نحو 140 بليون دولار يومياً منذ مطلع العام الجاري.
وتذكّر هذه الأرقام مرة أخرى بما يردده وزراء «أوبك»، وتؤكد صدقية كلامهم وحججهم، ومفادها ان الارتفاع القياسي في أسعار النفط لا يعود إلى نقص في الإمدادات، وأن عاملاً مهماً في هذا الارتفاع هو المضاربات التي لا تأخذ في الحسبان أساسيات السوق من عرض وطلب، بل تتفاعل مع الشائعات والمخاوف السياسية والاقتصادية المستقبلية أكثر من أي عامل آخر.
ويستفيد المضاربون والمستثمرون من تذبذبات الأسعار إيجاباً أو سلباً، بحسب نوعية استثماراتهم ورهاناتهم، ويتفاعل المتعاملون في السوق أكثر فأكثر مع تقارير صادرة عن دوائر البحوث في مؤسسات مالية، مثل ذلك الذي صدر أخيراً عن «غولدمان ساكس» وحذّر من «احتمال ارتفاع مستوى الأسعار إلى نحو 150 - 200 دولار خلال فترة زمنية تمتد بين ستة أشهر وسنتين». طبعاً، مع كل الانخفاضات الحاصلة فعلاً في قيمة الدولار والأسهم في البورصات العالمية، ناهيك عن موجة التضخم، يدفع توقع من هذا النوع المضاربين أكثر فأكثر إلى توظيف أموالهم في سوق النفط، وهذا بدوره يدفع الأسعار إلى مستويات قياسية. لقد أخذت هذه التوقعات تحرك الأسواق أكثر من أساســيات الأسواق ومتطلباتها. ولا يبدو ان أحداً من الســـياسيين مســتعد هذه الأيام لمواجهة هذه المعضلة لأنها مرتبطة ارتباطاً مباشراً بحرية الأسواق والعولمة.
ولا تتعلق المسألة فقط بسجال بين المصدرين والمستهلكين للنفط. فالقضية أخطر من ذلك بكثير، خصوصاً بعد هجمات 11 أيلول (سبتمبر) على نيويورك وواشنطن والحروب التي تلتها. فلا ندري إلى أي مدى يستطيع المستهلك في العالم الثالث، بل حتى في الدول الصناعية، استيعاب الارتفاع الجنوني للأسعار هذا، لا اعتقد ان أحداً من المسؤولين النفطيين كان يخطط أو حتى يفكر في الوصول إلى هذه المستويات القياسية خلال هذه الفترة القصيرة. والخوف الآن هو متى ستحصل ردود فعل سلبية على هذه الأسعار. نحن نعتقد أنها حصلت فعلاً من خلال التظاهرات العنيفة والاضطرابات الاجتماعية والسياسية هنا وهناك التي أخذت تتزايد يوماً بعد يوم. فما بالنا لو ارتفعت الأسعار إلى 200 دولار أو أكثر؟ ما تأثيرها في ذوي الدخل المحدود والمتقاعدين حينئذ؟ كيف سيتدبرون أمورهم وحياتهم اليومية؟
المطلوب هو حوار من نوع جديد بين المنتجين والمستهلكين، الآن وقد اعترفت الوكالة ان الإمدادات كافية في الأسواق لتلبية الطلب الاستهلاكي. وتتمثّل المشكلة في الحصول على نفط كاف للمخزون في الدول الصناعية، خصوصاً ان دول «أوبك» برهنت عن قدرتها واستعدادها في الماضي لتعويض الأسواق بسرعة لسد أي نقص طارئ.
يعتبر طرح مستوى المخزون في الدول الصناعية بدعة غير جديدة، لكنها تأخذ أبعاداً مختلفة هذه المرة مع الأسعار القياسية، والواجب دراستها ومراجعتها بعناية، لأنها تشكل ضغطاً جديداً على دول «أوبك». ويجب لذلك الانطلاق إلى نوع جديد من الحوار بين الطرفين، يأخذ في الحسبان مصالحهما الأساسية، والسلم الاجتماعي الضروري في دول الجوار التي تحيط بكل منهما. فازدياد الشعور بالفقر في دول العالم الثالث سيزيد من الهجرة إلى الدول الصناعية، وهذا أمر تحاول هذه الدول ان تتفاداه. أما بالنسبة إلى الدول المنتجة، فالاضطرابات في دول العالم الثالث المحيطة بها، ستؤثر عاجلاً أو آجلاً في أمنها الوطني في ظل الروابط الإقليمية.
* نقلا عن جريدة "الحياة" اللندنية. |
