طبـاعة


حفـظ


ارسال
الإثنين 07 جمادى الأولى 1429هـ - 12 مايو2008م
صناديق الاستثمار الاستغلالية

ميشال مرقص 

كلّما تقادم الوقتُ على فقاعة أزمة الرهن غير المأمون الأميركية، تعاظم حجم الخسائر المباشرة وغير المباشرة، في المؤسسات المالية والقطاع المصرفي، وأسفرت البيانات المعلنة عن كوارث مالية مستترة. وإذا كانت دولٌ شكّكت في تقدير صندوق النقد الدولي حجم الخسائر بما يقارب تريليون دولار، فإن الواقع يكشف، يوماً بعد آخر، أن الخسائر الفعلية قد تتخطّى هذا الرقم. لكن إلى جانب هذه الخسائر، برزت حاجة المؤسسات المتعثّرة إلى شركاء منقذين، لا يتوافرون إلا لدى الأثرياء جداً أو لدى صناديق سياديّة تشرف عليها الحكومات التي أنشأتها. لكن تملّك الصناديق السيادية أصولاً في مؤسسات تنتمي إلى الولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي، أثار انتقاداتٍ واسعة من مسؤولين سياسيين ومراقبين اقتصاديين، خوفاً من أن تؤثر خلفية هذه الصناديق، على الأمن القومي للبلاد، أو تهدّد هويّة إنتاج المؤسسات موضوع التملّك أو المشاركة.

وتقدّم المؤسسات المتعثّرة إغراءً واسعاً للاستثمارات العالمية، سواء إلى الصناديق السيادية أو إلى صناديق الاستثمار العادية أو التحوّط. فهي تخفّض قيمة أسهمها المطروحة للبيع، وغالباً إلى مستويات تكاد توازي نسباً ضئيلة من قيمتها الحقيقية أو المتعافية في السوق. ويأتي خفض القيمة إما نتيجةً لخسائر تبعد المستثمرين فيها عن الاستمرار في استثماراتهم، وإما بقرار يفسح أمام مستثمرين جدد بهدف التملّك لزيادة رأس مال المؤسسة. وفي الحالين يتربّص مستثمرون، غير سياديين، بأسهم الشركات التي أنهكها الضعف.

فقبل نحو 20 سنة، بدأ نشاط صناديق استثمار من نوعٍ آخر، أطلق عليها اسم «Vulture funds»، نظراً إلى طبيعتها، ويمكن تسميتها «الصناديق الاستغلالية». فـ «الصناديق العقبان» أو الاستغلالية، هي مؤسسات مالية يرتكزُ نشاطها الأساس على شراء سندات، سواء كانت في شكل أسهم لشركات وصناعات أو لقروض مهدّدة بالعسر، أو حقوقاً وأنصبة متعثرة، وقروضاً يواجه حاملها صعوباتٍ في تسديدها. وباشرت هذه الصناديق في شراء ديون متعثرة على الدول الفقيرة في العالم. واتخذت اسمها من «العقاب»، لأنها تحوم حول القروض المتعثّر دفعها، ومن ثم تنقضُّ عليها لشرائها بأثمانٍ زهيدة.

نشأت هذه الصناديق في الولايات المتحدة وازدهرت على أنقاض إفلاس سمسار الطاقة «إنرون» في 2001، ومشغّل الاتصالات «وورلد كوم» في 2002. إثرَ الأزمتين أرادت المصارف أن تتخلّص من قروضها الأكثر مجازفةً، فسمحت لمثل هذه الصناديق أن تنمو. وقال مدير البنك الأميركي «هوليبن لوكاي هوارد أند زوكين» فرانسوا فور في حينه: «عوض أن تزوّد المصارف حساباتها بقروض شركات معرّضة للأخطار، عمدت إلى بيعها في أسواق الدين المصرفي، بتنظيم مزادات علنية لها». وفي فرنسا باشرت مثل هذه الصناديق نشاطها، بداية الألفية الثالثة، مستغلّةً إعادة التكوين المتلاحقة وجدولة الديون المفرطة للشركات المتراكمة في نهاية العقد السابق.

وتتغذّى الصناديق الاستغلالية من مآسي الآخرين، وتغتني بفضل المنشآت عند حافّة الإفلاس. إنها مؤسسات مالية ترتكز استراتيجية عملها على أن تشتري بأسعار متدنية، الديون المتعثّرة، وتبيعها بأسعار مرتفعة. لكنها تحوّلت نحو قروض البلدان الفقيرة في العالم الثالث. فعندما تصير البلدان المقترضة معسورة الحال، تهاجمها الصناديق الاستغلالية أمام المحاكم من اجل أن تستعيد القرض بكامله، إضافةً إلى غرامات التأخير عن السداد والفوائد. فالصندوق الأميركي «دونيغال» ، اشترى بهذه الطريقة، عام 1999، ديوناً أقرضتها رومانيا إلى زامبيا قيمتها ثلاثة ملايين دولار، لكن قيمتها الحقيقية 15 مليوناً. ولاحق «دونيغال» زامبيا أمام محاكم بريطانية مطالباً بـ 55 مليون دولار مع المتأخرات. ومنحه القضاء حقاً جزئياً، وأجبر زامبيا على دفع 17 مليوناً، بقيمة إضافية توازي 500 في المئة، عن المبلغ الذي اشترى به، وذلك على حساب أفقر دولة في العالم. وكذلك تعرّضت الكونغو –برازافيل الى قضية مماثلة من صندوق «كينسينغتون» والأرجنتين أيضاً.

وبحسب صندوق النقد الدولي، فإن 46 حالة قضائية من هذا النوع هي أمام المحاكم، قيمتها بليونا دولار تقريباً، وعلى رغم انها تبدو هامشية قياساً إلى إجمالي الدين العام الخارجي لدول الجنوب البالغ 1600 بليون دولار، فهي بالنسبة إلى بلدان فقيرةٍ يمكن أن تمثل كثيراً. ففي نيكاراغوا استطاع صندوقٌ مماثل، استرجاع 276 مليون دولار، تتجاوز الموازنة السنوية للصحة في تلك البلاد.

وعلى رغم كونها نوعاً من صناديق التحوّط، تدير خمسة في المئة من إجمالي قيمة ما تديره تلك الصناديق من سندات (2 بليون دولار)، فإنها باتت تهدّد الأهداف الإنمائية للقروض الممنوحة للدول الفقيرة. لذا بات هدف الدول المانحة ونادي باريس للديون، وقف عمليات هذه الصناديق المضرة بالأهداف الاجتماعية، خصوصاً أنها تلجأ إلى القضاء. وبدأت بلجيكا باتخاذ إجراءات متشدّدة حيالها فأقرت في 31 كانون الثاني (يناير) الماضي، قانوناً يمنع على هذا النوع من المؤسسات المالية أن تستولي على المساعدات البلجيكية المخصصة للتنمية في البلدان المديونة.

وتفرض سلوكية هذه الصناديق على الدول المانحة، أن تحصّن الإنفاق الاجتماعي الحيوي للبلدان المعسورة المديونة تجاه مجموع المقرضين. لذا يجب إرساء مبدأ عام، يطبق على المقرضين العامين والخاصين على السواء، قانوناً عالمياً للدين يحد من حقوق المقرضين ويحمي المديون. وبات الموضوع أكثر قابلية اليوم، نظراً إلى توازن القوى. فالبلدان الغنية تخشى منافسة البلدان الناشئة، خصوصاً الصين، وتقرض البلدان الفقيرة من دون تحفظ، مستعيدة دورة الديون المشبعة أو المفرطة.

ويبدو أن الدول «الثماني الكبرى» ونادي باريس، تريد وقف الآليات التي تغني الصناديق من طريق الاستفادة من قروض البلدان الغنية، فقدمت فكرة «ميثاق القروض المسؤولة» في اجتماع «الثماني الكبرى» عام 2007. لكنه لن يكون موثوقاً ما لم تباشر الدول نفسها بتحمل مسؤولياتها تجاه بلدان الجنوب.

ويبدو أن الخشية من هذه الصناديق أعظم من الصناديق السيادية، خصوصاً أن المؤسسات المالية المفلسة حالياً، تشكل فريسةً سهلة لها!


* نقلا عن جريدة "الحياة" اللندنية.

عودة للأعلى
تعليقات حول الموضوع
 
 
هل ترغب في التعليق على الموضوع؟
الاسم :  
عنوان التعليق :  
نص التعليق :