وليد خدوري
سجل سعر النفط الخام رقماً قياسياً الأسبوع الماضي، وكأن كسر الأسعار القياسية أصبح في الآونة الأخيرة أمراً أسبوعياً معتاداً. وما أدى إلى زيادة الأسعار خلال الأسبوع الماضي، الضعف المستمر لقيمة الدولار والهجمات على المنشآت النفطية النيجيرية التابعة لشركتي «شل» و «إكسون»، التي عطلت إنتاج الشركتين في أكبر بلد منتج للنفط الخام في أفريقيا.
لقد تجاوز سعر النفط الخام مستوى 123 دولاراً للبرميل الأسبوع الماضي، وتوقعت دوائر البحوث في مؤسسات مالية كبرى ان يصل هذه السنة إلى نحو 150 - 200 دولار، مكررة بهذا ما توقعه بعض وزراء دول منظمة «أوبك» أخيراً. وبالفعل، ارتفع سعر النفط الخام الأميركي نحو 94 في المئة خلال العام الماضي، ومن 102 دولار أوائل نيسان (أبريل) الماضي إلى نحو 120 دولاراً آخر الشهر الماضي.
وانضم الرئيس الأميركي جورج بوش إلى الذين يتوقعون استمرار ارتفاع الأسعار، أو يعترفون على الأقل بأنهم لا يستطيعون ان يلجموا هذا الارتفاع، فقال أخيراً في مؤتمر صحافي إنه يتمنى لو ان لديه عصاً سحرية ليضع حداً بها لهذا الارتفاع في أسعار النفط. لكن بوش اعترف في الوقت ذاته بأنه لا يملك هذه العصا السحرية، قبل ان يعرب عن أسفه لعدم استطاعته وضع حد لهذا الارتفاع في أسعار النفط، الذي يصاحبه ارتفاع في أسعار المواد الغذائية على المستوى العالمي، ما يؤدي إلى حال من التضخم لم يشهدها الاقتصاد العالمي منذ فترة طويلة.
وتنوعت الآراء حول هذه التطورات الاقتصادية. فمنهم من نسب ارتفاع أسعار النفط إلى ضعف قيمة الدولار بالنسبة إلى العملات الصعبة، وشرح أصحاب وجهة النظر هذه العلاقة المباشرة بين ارتفاع قيمة الدولار من جهة وانخفاض سعر النفط من جهة أخرى. وثمة أيضاً سبب آخر من الصعب تجاهله، هو استمرار مستوى الطلب العالمي على النفط على مستواه تقريباً من دون تغيير يذكر، على رغم الانحسار الاقتصادي في الولايات المتحدة وتداعياته السلبية على الاقتصاد العالمي، واستمرار ارتفاع الأسعار يومياً. فبحسب النظريات الاقتصادية التقليدية، يفترض باستمرار الإمدادات على مستواها المعهود، على رغم بروز أي من هذين العاملين، ان يؤدي إلى انخفاض الطلب على النفط.
ويشير آخر الإحصاءات الأميركية الرسمية إلى ان استهلاك المحروقات في الولايات المتحدة حافظ عام 2007 على المستوى ذاته تقريباً الذي كان عليه عام 2006، وهو 20.7 مليون برميل يومياً. وكذلك مستوى استهلاك وقود السيارات بـ 9.4 مليون برميل يومياً عامي 2007 و2006. وما يزيد الطين بلة على المستوى العالمي، تقلص حجم القروض التي يمكن ان تؤمّنها المصارف والمؤسسات المالية للمشاريع النفطية الجديدة الهادفة إلى التوسيع السريع للطاقة الإنتاجية أو التكريرية. ويأتي هذا التلكؤ في تأمين التمويل اللازم للمشاريع الجديدة، نتيجة للخسائر المقدرة بتريليون دولار التي أصابت القطاع المالي العالمي بسبب أزمة الرهن العقاري الأميركي، وتورط الكثير من المصارف في هذه الخسائر الضخمة التي من المحتمل ان تؤدي بدورها إلى أزمة مصارف عالمية.
ما هي بعض النتائج المترتبة على حال التضخم العالمية، وعلى الارتفاع السريع والقياسي في أسعار النفط؟
أولى هذه النتائج ما نشهده يومياً من تظاهرات في لبنان ومصر وميانمار وهايتي، التي تبدأ بسبب الغلاء، ثم تُستغل من قبل بعضهم لأهداف سياسية داخلية بحتة. واستطاع بعض حكومات البلدان النامية في الماضي ان يدعم أسعار المحروقات، لكن مع ارتفاع الأسعار، وبسبب الضغط على موازنة الدولة، أصبح صعباً على بعض الدول الاستمرار في الدعم بالنسب والمعدلات السابقة ذاتها.
وفي الولايات المتحدة، حيث ربع الاستهلاك العالمي من النفط، احتل ارتفاع الأسعار أولوية عالية في الحملة الانتخابية الرئاسية، كما أخذ المرشحون يزايدون في ما بينهم حول ما يمكن عمله لوقف موجة الارتفاع هذه. فثمة من يدعو إلى استعمال أوسع للوقود الحيوي المصنوع من النباتات، على رغم المعرفة المتزايدة بمضاره البيئية والاقتصادية، مثل ارتفاع أسعار الطحين واللحوم.
لكن من الواضح في الوقت ذاته ان استمرار ارتفاع أسعار النفط الخام سيؤدي إلى احتلال بدائل الطاقة حيزاً أكبر من السابق على حساب حصة النفط من سوق الطاقة العالمية. وعلى رغم استبعاد ان تشكل هذه البدائل خطراً على سوق النفط في المستقبل المنظور، هي تستطيع ان تشكل منافسة قوية له في قطاعات محددة.
تكمن خطورة الأمر في عدم تقلص الطلب على النفط نتيجة للأزمات الاقتصادية وللارتفاع السريع في الأسعار. ويتوقع لذلك استمرار ارتفاع الأسعار ما دام الوضع هو ما عليه الآن. وهذه حال اقتصادية عالمية فريدة قلما مررنا بها سابقاً. طبعاً، ثمة أسباب أخرى وراء ارتفاع أسعار النفط، منها احتلال العراق، واحتمال نشوب صراع عسكري مدمر في محافظة البصرة، ناهيك عن الجدل السائد في الولايات المتحدة منذ سنتين تقريباً حول احتمال حصول هجوم عسكري على إيران وانعكاسات هجوم كهذا على إمدادات النفط الخام من بلدان الخليج.
ما هي مسؤولية الدول المنتجة في هذه الأوضاع؟ يجب أن نقر أولاً بمسؤولية لدول «أوبك» في وضع حد لهذا الارتفاع غير الطبيعي للأسعار، كما ان هناك مسؤولية للدول الصناعية في تقليص الاستهلاك على ضوء المتغيرات الاقتصادية الحادة. لكن المشكلة التي تواجه الدول الأعضاء في «أوبك» تتمثل في ان هذه الدول ليست مسؤولة عن تحديد أسعار النفط هذه الأيام. فهذه مسؤولية الأسواق.
* نقلا عن جريدة "الحياة" اللندنية. |
