د. أحمد عبد الملك
تحدث "لي كوان يو" باني سنغافورة الحديثة في منتدى التنافسية العالمي الذي عقد في العاصمة السعودية الرياض قبل فترة، مشيراً إلى أن بناء الإنسان كان من أهم اهتمامات بلاده، استناداً إلى حكمة صينية تقول: "سنة واحدة ضرورية لكي تنمو بذرة قمح، وعشر ضرورية لكي تنمو شجرة، ومئة ضرورية لكي ينمو إنسان"! وشرح أنهم عملوا على إنتاج مجتمع آمن ومستقر، وركزوا على الثقافة والفنون، وتمكنوا من تكوين أشخاص قادرين على اختيار مواقعهم ووظائفهم ويؤمنون بأن الحياة تستحق العناء من أجلهم ومن أجل أبنائهم!
لقد استطاع "لي كوان يو" أن يحوِّل سنغافورة من مستنقع صغير إلى مركز عالمي للصناعات ولتكرير البترول، ورفع بذلك الدخل السنوي للمواطن السنغافوري من 1000 دولار إلى 30 ألف دولار خلال ثلاثة عقود فقط!
نحن في منطقة الخليج لا نريد أن نكون أفضل حالاً من حال سنغافورة أرضاً وإنساناً! تلك المدينة الميناء الصغير الذي نسيه التاريخ فترة من الزمن في شكل أرض لقاعدة عسكرية بريطانية تعيش على عائدات القاعدة (ثلاثة أرباع دخلها القومي من عائدات تلك القاعدة)! فدخول النفط والغاز في بلداننا أعلى الدخول العالمية! ومشاريع التنمية تنتشر وتتوسع كل يوم، وخريجونا من الجامعات الراقية يزدادون، والاستقرار السياسي -حتى الآن- موجود؛ رغم ملاحظاتنا على الأوضاع السياسية والمالية والاجتماعية، وحقوق المواطَنة، وما تخلقه لنا التركيبة السكانية من "ذعر" قد لا يشعر به الجميع!
هل قامت علاقتنا مع أنظمة الحكم على المشاركة والمشورة أم على الإذعان ولبس بشت "الرعيَّة"؟! هل تحققت لدينا المواطنة الصالحة؟
إن الأوضاع الحالية في مسيرتنا التنموية تحتاج إلى إعادة نظر! فناطحات السحاب في نيويورك لم تنتصب إلا أمام تمثال الحرية! وهي ليست بعيدة عن الديمقراطية الجيفرسونية! وبرج لندن لم يشيد على "التايمز" إلا ليكون شاهداً على الديمقراطية البريطانية عبر مجلس العموم الضخم! وبرج إيفل بباريس لم يقم ليكون برجاً سكنياً يمنح الجنسية الفرنسية كل من يشتري عموداً فيه، بل قام شاهداً على التنوع الفكري وحرية الرأي وشمولية الثقافة الفرنسية!
نحن بحاجة لأن ندرس الظاهرة الإسمنتية في الخليج، في مقاربة حقيقية مع خطوات التنمية البشرية في منطقتنا! هل التعليم "الحديث" يؤهل طلابنا إلى المرحلة القادمة؟ وإن كان يؤهلهم لتخليق مجتمع مؤمن بالتكنولوجيا واللغة الإنجليزية، فهل نحن مستعدون لمحو التاريخ العربي واللغة العربية من القاموس التعليمي خلال الخمسين عاماً المقبلة؟! وهل تساهم المناهج -التي تضعها بيوت الخبرة الأجنبية- في هذا الاتجاه؟! نحن هنا فقط نسأل ولا نقرر!
هل دولنا الحديثة حققت وجود الإنسان المواطن المنتج؟! أم أن الاتجاه الجديد -نحو إحالة المواطن للتقاعد واستجلاب موظفين من الخارج ليحلوا محله- هو اتجاه يعمق كرامة الإنسان ويحقق وجوده وإنتاجيته في بلاده؟! وهل صحيح أن المواطن الخليجي يريد -أو يريدون له- أن يجلس في المنزل منعَّماً مكرماً ويحصل على راتبه آخر الشهر دون عمل؟! وبذلك لا يحق له السؤال عن المواطَنة وحقوقه السياسية!
هل هذه تنمية صالحة؟! هل الجيل الجديد أثبت كفاءة -كما كنا في السبعينيات- في التعليم والثقافة والإعلام؟! كم من المدرسين الأكفاء يهجرون المدارس، وكم من الأكاديميين يُحالون إلى التقاعد قبل الوقت؟! وكم من الوجوه الإعلامية المواطنة تظهر اليوم على شاشاتنا أو نسمع أصواتها عبر الإذاعة؟! هل تنميتنا البشرية أوجدت صحافيين مواطنين -غير الكُتاب المعدودين والذين يحاربونهم أحياناً- وكم من الحقوق تمنح لهؤلاء القلة من المواطنين؟! بل وكم من المضايقات تواجههم مع مجالس إدارات الصحف التي يعملون بها؟! توجد إحصائيات عن بعض المؤسسات الإعلامية الخليجية تبعث على الأسى! حيث نجد أن مؤسسة صحافية يعمل بها أكثر من 400 موظف؛ عدد الموظفين المواطنين فيها لا يتجاوز عشرة! ومؤسسة إعلامية أخرى يعمل بها 470 موظفاً وموظفة بينهم 17 مواطناً ومواطنة! ناهيك عن المزايا التي يتمتع بها هؤلاء مقارنة بالمواطنين الذين يشكلون 3.5% فقط! علماً بأن المواطنين لا يكلفون تلك المؤسسات أموالاً للسكن والتذاكر السنوية والمهمات والعلاج. ولعلنا لا نكشف سراً إن قلنا إن موظفة متواضعة في مؤسسة إعلامية تكلف المؤسسة حوالي 40 ألف ريال شهرياً ووظيفتها منتجة أو منسقة برامج!
هل نحن نزرع البذرة ونرعى الشجرة التي تحدث عنها "لي كوان يو"؟! ما هي هذه البذرة التي نبذرها حالياً؟! وما هي الشجرة التي تحتاج لعشر سنوات كي تنمو! وهل المئة عام الماضية أوجدت لنا الإنسان؟! ما شكل هذا الإنسان؟! نحن نحطم بذورنا ببلدوزرات الأبراج التي يسكنها أجانب يتزايدون مع اللحظة، ويشكلون قنبلة موقوتة قابلة للانفجار في أية لحظة!
هل شباب اليوم أقوى وأنضج وأكثر قدرة على تحمل المسؤولية مقارنة بشظف العيش قبل خمسين عاماً؟ هل يحرص الشباب على التعليم والقراءة الإثرائية كما كنا نعمل في الستينيات؟! هل صرعات الأزياء والتسكع في مطاعم الوجبات السريعة ومناجاة الشيشة حتى ساعات الصباح الأولى تخلق شباباً يعتمد عليهم في مرحلة التنمية الجديدة، مع الاعتراف بوجود استثناءات قليلة؟! وهل الشباب المتطرف -الذي يخرج من عباءة الشقاء واليأس بعد غسيل المخ- سيحقق لنا معجزة تنموية مثل معجزة سنغافورة؟! وهل نحن نطبق مبدأ تكافؤ الفرص ونعلن عن الوظائف العامة ليتنافس عليها المؤهلون علانية، أم أننا نفصِّل الوظائف على أهالينا وأبنائنا وأفراد القبيلة؟! وهي على شاكلة "غنائم" تمنح في شكل وزارات ومؤسسات وهيئات هنا وهناك دونما استحقاق في أغلب الأوقات! والغانمون لتلك الوزارات والهيئات يأتون بأصحابهم وذويهم -دون أن تكون لديهم المؤهلات اللازمة لنوعية العمل الذي يعملون به- خصوصاً في الوظائف التخصصية -كما يأتون ببعض العرب الذين يرتبطون معهم بعلاقات خاصة ليحلوا محل المواطن الذين بدأت تنهشه الأيام وهو يرى وظيفته "تُختطف" منه لتمنح لآخر! وهذه الطريقة هي التي تضع العصا في ترس التنمية ولربما تعرقل أو تشوه مسيرة هذه التنمية!
ويحق لنا أن نتساءل هل حققنا الكرامة البشرية لمجتمعاتنا؟! هل نحن كلنا متساوون أمام القضاء؟! هل كافحنا القبلية وأنجزنا المواطَنة الصالحة؟! هل حققنا كرامة الإنسان بالاعتراف بعمله لا باسمه أو اسم قبيلته؟!
هل ألغينا الرقابة على الرأي كما ينص على ذلك الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي وقعت عليه دولنا؟! وهل أوجدنا مؤسسات المجتمع المدني التي تساهم مساهمة فعالة في تحقيق الكرامة البشرية وتساند الدولة في ذلك؟!
هل حافظنا على الحريات العامة، وأهمها حرية الفكر؟! وهل ساهم المستشارون الأشاوس، الذين جذبتهم رائحة البترول إلى الواحات الآمنة، في تقريب المواطنين المؤهلين من أصحاب القرار أم ساهموا في "نبذهم" و"تجريمهم" واتهامهم بـ"المشاكسة"؟! وهم أبعد ما يكونون من ذلك، كونهم يحبون أوطانهم ويأملون أن تضع الدولة يدها في أيديهم من أجل رفعة الدولة!
هل قامت علاقتنا مع أنظمة الحكم على المشاركة والمشورة أم على الإذعان ولبس بشت "الرعية"؟! هل تحققت لدينا المواطنة الصالحة أم مازلنا نتعامل مع الدولة على أساس تجاذب المصالح، فإن أعطتنا الدولة رضينا وأحببناها، وإن قصّرت علينا غضبنا وكرهناها؟! وغداً إن هاجمنا "الطوفان" هل سنبقى في أرضنا أم سنهرول راكضين كوننا أقلية في أرضنا، ولتدافع عنها الأغلبية التي أعطيت حقوقاً أكثر من حقوقنا؟!
هذه أسئلة كثيرة لاشك تمر في عقل كل مواطن خليجي! وهي جديرة بأن تلقى الإجابات الشافية؟!
* نقلا عن جريدة "الإتحاد" الإماراتية |
