د . جاسم المناعي
إن تأثير الفورة النفطية الحالية في اقتصاديات المنطقة هو بالطبع كبير جداً ويبدو أن الأوضاع والثقافة الاقتصادية التي كانت سائدة قبل هذه الفورة قد ولت حسبما يبدو من غير رجعة وأصبح لزاماً علينا التكيف مع هذه الأوضاع الجديدة على أساس أنها باقية معنا لفترة طويلة ولا تبدو أنها ظاهرة مؤقتة . إن أهم عامل رئيسي في هذه التغيرات هو الارتفاع الكبير في أسعار النفط التي تقترب الآن من 120 دولاراً للبرميل وهي في تصاعد مستمر لا يتوقع أن ترجع إلى مستوياتها التي عرفناها قبل بداية هذا العقد .
هذا التغير الكبير في أسعار النفط خلق بدون شك معطيات جديدة لدول المنطقة .
أول هذه المعطيات الجديدة هو أن الفورة النفطية قد ساعدت على تحسين معدلات النمو الاقتصادي في الدول العربية كنتيجة طبيعية لزيادة معدلات الاستثمار التي ساعدت على زخمها الفوائض المالية المتزايدة . فقد وجدنا أن معدلات النمو الاقتصادي ارتفعت خلال هذا العقد إلى ما يزيد على 7% في المتوسط مقارنة بنسبة 6 .3% خلال التسعينات . هذا كما وجدنا تعزيزاً للاحتياطيات الأجنبية لكثير من الدول العربية بما فيها مصر والجزائر . كما أنه في حالة الجزائر استفادت من هذه الفورة في التخلص من مديونيتها الخارجية بالإضافة إلى توظيف مبالغ كبيرة في برنامج الإنعاش الاقتصادي الذي تبنته الحكومة . لا بدّ أن أذكر ان الفورة النفطية قد ساعدت كذلك على زيادة كبيرة في الاستثمارات البينية كما ساعدت كذلك على زيادة التجارة البينية بشكل ملحوظ . لكن في مقابل هذا التحسن الذي نتج عن الفورة النفطية، هناك أيضا مجموعة تحديات اقتصادية كبيرة نتجت عن هذه الفورة وبالطبع تطرح مثل هذه التحديات تساؤلات كبيرة حول كيفية التعامل مع هذه التحديات وما هي أولويات التنمية ضمن هذه الظروف؟
في الواقع وحسبما يبدو أن أهم هذه التحديات التي نتجت عن هذه الفورة النفطية هو مدى القدرة على إدارة أوضاع الفورة بالشكل المطلوب . هناك مشاكل اقتصادية صاحبت هذه الفورة وحسبما يبدو بعض هذه المشاكل من الحدة بما يعكر صفو هذا الانتعاش الاقتصادي الذي تشهده المنطقة . أول تحديات الفورة هو ما يواجه السياسة المالية والذي يعتبر تحدياً من نوع جديد حيث في العادة مشكلة السياسة المالية هي حالة العجز لكن في ظروف الفورة، فإن التحدي حسبما يبدو يتمثل في كيفية إدارة السياسة المالية في حالة الفائض حيث لا أعتقد بأن هذه الحالة هي أسهل من حالة إدارة ظروف العجز لكن السياسة المالية تواجهها في هذه الظروف تحديات كيفية موازنة الإنفاق مع محاولة تجنب ألا يؤدي ذلك إلى سخونة الاقتصاد وكيفية مقاومة زيادة الرواتب وبند الدعم والإعانات وتجنب إعادة تضخم القطاع العام، التحدي الآخر الذي نتج عن الفورة النفطية وله علاقة بالتحدي الأول هو كيفية التحكم بمستوى معدلات السيولة المفرطة التي تشهدها دول المنطقة حيث وصل معدل نمو السيولة سنويا في بعض الدول إلى ما يتجاوز 30% ويفوق هذا المعدل المستويات العالمية . جزء هام من هذا التحدي يخص السياسة المالية وسياسة الإنفاق، لكن هذا التحدي يخص أيضا وبالتأكيد السياسة النقدية وسياسات الائتمان المصرفي .
في الواقع إن أكبر تحد يواجه اليوم السياسة المالية والسياسة النقدية في المنطقة هو التضخم وارتفاع تكاليف المعيشة . إن الفورة النفطية الحالية صاحبها بشكل غير مسبوق ارتفاع كبير في الأسعار بشكل أصبح يهدد مكتسبات المنطقة من هذه الفورة . ولا يخفى أن التضخم يعمل على تدهور القوة الشرائية ويعمل على التشويه في توظيف الموارد كما يعمل على تآكل المدخرات وبالتالي لا يخلق حافزاً على الادخار . هذا بالإضافة إلى أن التضخم يضعف من القدرة التنافسية لاقتصاديات المنطقة ولا يشجع على اجتذاب رؤوس الأموال .
إن معدلات التضخم في الدول العربية أصبحت الأعلى في العالم حيث وصلت في بعض البلدان إلى ما يزيد على 14% وفي الواقع فإن المعدلات المرتفعة للتضخم لا تقتصر على دول الخليج حيث إن دولاً عربية أخرى مثل مصر والأردن ولبنان تعاني من مستويات تضخم ليست متدنية كذلك . للأسف وبالرغم من مرور عدة سنوات الا أن مشكلة التضخم لا زالت في تفاقم مستمر، هذا وإذا أخذنا في الاعتبار أزمة الغذاء العالمية وبخاصة كون الدول العربية مستورداً صافياً للمواد الغذائية فإننا نتوقع أن مشكلة ارتفاع الأسعار والتضخم ستستمر إن لم تستفحل أكثر . إن تحويل هذه المشكلة إلى وزارات التجارة للتدخل في تحديد الأسعار أو اللجوء إلى زيادة الرواتب والإعانات لا نعتقد بأنها الحل الأمثل .
من التحديات الأخرى للفورة النفطية تركيز كثير من الاستثمارات على قطاعات ريعية ومضاربية وقد سبق لبعض دول المنطقة خلال السنوات القليلة الماضية أن تعرضت لحركات تصحيحية مؤلمة من خلال أسواق الأوراق المالية . إن مشكلة الاستثمارات العقارية الكبيرة كذلك أنها زادت الحاجة إلى الأيدي العاملة الوافدة في بعض دول الخليج إلى درجة التأثير بشكل سلبي في التركيبة السكانية لهذه الدول، كما تم التعبير عنه بقلق من قبل المسؤولين في إحدى مناقشات موضوع الهوية الوطنية مؤخرا . هذا كما انه ومن ناحية أخرى، وفي ظل تآكل القوى الشرائية لذوي الدخل الثابت والدخل المحدود نتيجة التضخم، فقد اتسعت حسبما يبدو الفوارق الطبقية وازدادت الهوة في عملية توزيع الدخل . كما أن النموذج الاستثماري الذي صاحب الفورة النفطية لم يعالج المشاكل الاقتصادية الملحة للدول العربية المتمثلة في مشكلة البطالة ومشاكل الفقر وتخفيف حدة أزمة الغذاء وارتفاع أسعار المواد الغذائية .
بناء على هذه المعطيات، يمكننا وضع تصور وإن كان متواضعا لطبيعة أولويات المرحلة المقبلة للتنمية في الدول العربية .
أولا: ينبغي العمل بشكل ملحّ على السيطرة ومعالجة مشكلة التضخم . ولا بدّ في هذا المسعى من تجنيد كل إمكانيات السياسة المالية وكذلك تسخير كل أدوات السياسة النقدية لمحاربة هذه الظاهرة الخطيرة .
ثانيا: الوتيرة السريعة لهذه الفورة لا ينبغي أن تنسينا الحاجة إلى تكثيف الاهتمام بالعنصر البشري وذلك من خلال تطوير مناهج التعليم ومن خلال التدريب حتى يتماشى تطوير الكوادر مع التطور المادي السريع لدول المنطقة .
ثالثا: مزيد من الاستثمارات في مرافق البنية الأساسية من طرق وموانئ ومياه وكهرباء، كما نحتاج إلى استثمارات أكبر في مجال المحافظة على سلامة البيئة .
رابعا: مزيد من الاستثمارات للمساهمة في معالجة أزمة الغذاء على الأقل على المستوى العربي . بعض الدول العربية لا تزال تمثل بما لديها من مياه وأراض خصبة فرصاً استثمارية واعدة لكن ينبغي هذه المرة أن تتم هذه الاستثمارات من خلال شركات القطاع الخاص وليس من خلال وزارات القطاع العام .
خامسا: لا ينبغي لهذه الفورة أن تؤجل أو تقلل من أهمية إجراء الإصلاحات الاقتصادية المطلوبة . هناك بدون شك تخوف من أن تؤدي هذه الفورة إلى تراجع مسيرة الإصلاح خاصة عندما نشهد الزيادات المسيسة للرواتب وارتفاع بند الدعم والإعانات وبالتالي إحلال تدخلات القطاع العام بدلا من قوى السوق في إدارة الاقتصاد الأمر الذي من شأنه الانتقاص من جهود الإصلاحات التي تمت في كثير من دول المنطقة .
سادسا: هذه الفورة حسبما يبدو لم تساعد بعد على معالجة المشاكل الأساسية لدول المنطقة مثل مشكلة البطالة أو مشكلة الفقر في بعض الدول . الأمر الذي يستدعي إعادة النظر في نماذج الاستثمارات المتبعة حتى الآن . كما ينبغي الالتفات إلى مشكلة سوء توزيع الدخل واتساع الفوارق الطبقية بالإضافة إلى عدم إغفال الاهتمام بمشكلة الفقر في بعض المجتمعات العربية والعمل على زيادة وتقوية شبكات الأمان الاجتماعي للفئات الفقيرة والمحتاجة من عالمنا العربي .
* المدير العام رئيس مجلس إدارة صندوق النقد العربي
** نقلا عن جريدة "الخليج" الإماراتية |
