طبـاعة


حفـظ


ارسال
الأربعاء 05 شوال 1428هـ - 17 أكتوبر2007م
أزمة الرهن العقاري لن تنتقل إلى الإمارات

عرفان الحسني 

يحق للمشتغلين في مؤسسات الرهن العقاري في دولة الإمارات وخصوصا إمارة دبي من مالكين ومديرين وعملاء على حد سواء إبداء مخاوفهم من احتمال انتقال حمى أزمة الرهن العقاري في الولايات المتحدة الامريكية إليهم لاسيما بعدما ظهرت بوادر عدواها قبل أيام في بعض دول العالم مثل أوروبا الموحدة وخصوصا بريطانيا بعدما اعلنت شركة “نورثرن روك” أحد أكبر مقدمي التمويل العقاري في بريطانيا - عن حالة إصابتها بهذه الأزمة وبالتالي حاجتها للحصول على دعم من بنك انجلترا، ما جعل بقية دول الاتحاد الأوروبي تدق ناقوس الخطر وتأهبها لمواجهة الأزمة. كما أظهرت عدداً من دول العالم هواجسها من انتقال الأزمة إليها في إطار عولمة رأس المال والاستثمار عبر الحدود. بيد أن استمرار هذه المخاوف من دون محاولة إجراء تقييم لخصوصيات السوق الإماراتي بشكل عام وواقع مؤسسات الرهن العقاري بشكل خاص يصبح أمراً غير مبرر. وعلى الرغم من أن اللاعبين الرئيسيين في سوق الرهن العقاري في الدولة أبدوا ملاحظاتهم بخصوص الأزمة اخيرا حيث قللوا من احتمالية انتقالها إلى الدولة، إلاّ اننا سنحاول في هذا المقال تسليط المزيد من الضوء على بعض الزوايا المهمة في الموضوع.

 لابد من التنويه إلى حداثة تجربة الرهن العقاري في الدولة بما فيها دبي. وكما هو معروف في أدبيات الاقتصاد فإن الدورات التجارية تشترك في حبك اتجاهاتها مجموعة متشابكة من عوامل وظروف العرض والطلب التي تحدد في النهاية قيم السلع كالعقار المرتهن، في السوق

وسنبتدئ بأسباب الأزمة في أمريكا، وخلاصتها هو وجود قطاع اسكان نشط حفز على مدى سنوات القطاع المالي وخصوصا الرهن العقاري، وبدورها قامت مؤسسات الرهن هذه بتحويل قروضها إلى سندات مغطاة بأصول أهمها صناديق التحوط تم بيعها إلى العديد من المؤسسات الأوروبية وأمريكا اللاتينية وآسيا، لكنه حصلت أزمة في السيولة المحلية وتراجع مفاجئ في القدرة الائتمانية للمقترضين الأمريكيين من مشتري العقار تجسدت في تعثر هؤلاء في تسديد التزاماتهم المالية إلى مؤسسات الرهن العقاري في بعض الولايات مما خلق أزمة ثقة في قطاع العقار برمته وفي مؤسسات التمويل الأمر الذي اضطر هذه المؤسسات للجوء إلى عمليات حبس الرهن العقاري أي استيلاء المقرض على العقار المرتهن وإعادة بيعه مرة أخرى - لتصل إلى أرقام قياسية.

كما اتجهت أسعار الفائدة إلى الارتفاع على نحو غير مسبوق، وانجرفت الأزمة إلى قطاع الاستهلاك وبالتالي الاستثمار مما قد يؤثر ذلك في معدلات النمو الاقتصادي في الولايات المتحدة. ومن الطبيعي والحال هذا أن تقوم تلك المؤسسات الاستثمارية في داخل الولايات المتحدة وخارجها ببيع سنداتها للحصول على السيولة مما سيؤدي حتماً إلى انخفاض أسعارها وعوائدها. وفي هذا السياق، تشير التوقعات إلى أنه نظراً لشدة الأزمة فأنه حتى بعد زوالها سيبقى المعروض من العقارات في أسواق أمريكا وبالتالي أسعارها في حال تقهقر ريثما يتم تصحيح الأوضاع واستعادة الثقة من جديد بل وتمكن مالكي العقار (المقترضين) من دفع أقساط الرهن إلى المؤسسات المالية المعنية وفك الحبس العقاري لتنشط الدورة الاقتصادية من جديد. أما فرضيتنا بعدم وجود احتمالية لانتقال هذه الأزمة إلى داخل دولة الإمارات لاسيما دبي فمردها الحجج التالية التي تنطلق من واقع السوق الإماراتي بالمقارنة مع السوق الأمريكي.

بداية، لابد من التنويه إلى حداثة تجربة الرهن العقاري في الدولة بما فيها دبي. وكما هو معروف في أدبيات الاقتصاد فإن الدورات التجارية تشترك في حبك اتجاهاتها مجموعة متشابكة من عوامل وظروف العرض والطلب التي تحدد في النهاية قيم السلع كالعقار المرتهن، في السوق. ونلاحظ أن الدورات المذكورة سواء في سوق العقار أو القطاعات الأخرى تعد حالة لصيقة بالاقتصاد الأمريكي وغيره من الاقتصادات الرأسمالية حيث تمتد إلى عشرات السنين، وهي الظاهرة التي لا تنطبق على الاقتصاد الإماراتي بوصفه اقتصادا ناهضا لم تصل أسواقه وقطاعاته بعد إلى حالات من النضج والإشباع، وثمة تباين في مكونات كل من الطلب والعرض الكليين والعوامل الدافعة لكل منهما ما بين الاقتصاد الإماراتي والاقتصاد الأمريكي. وعلى نحو أدق، لاتزال مستويات الطلب على العقارات في دولة الإمارات ودبي بما في ذلك معدل العائد وفترة استرداد رأس المال أعلى من مثيلاتها في أوروبا وأمريكا، فهو طلب دفين اشترك فيه الكثير من المستثمرين الأجانب من المقيمين في الدولة ومن خارجها بل ومن بعض دول المنطقة على الرغم مما تشهده من انتعاش في قطاع العقار، خصوصاً أن استكمال البنية التحتية في دبي من مشروع المترو والجسور وتوسعة المطارات والشوارع وخطط مواجهة التزاحم المروري وغيرها من المشاريع كلها ستسهم في ترسيخ موقع دبي على خريطة الأعمال والسياحة العالمية وبالتالي تعزيز الاتجاه نحو البناء والتشييد والطلب على العقار سواء أكان وحدات سكنية أم تجارية. فلاتزال ظاهرة شراء المشاريع العقارية الجديدة وبيع كامل الوحدات المعروضة خلال بضع ساعات عبر شبكة الانترنت أحد مظاهر سوق العقار في دبي.

 الحديث عن احتمالات انتقال أزمة الرهن العقاري إلى الدولة وإمارة دبي على وجه الخصوص لابد أن يستأنف بالتعرف أولاً إلى آليات سوق العقار المحلي، والعمل الجاري على تعزيز شفافيته وتنافسيته، بل وعلى جاذبية الاقتصاد الوطني برمته والتي تعد بالنسبة للكثير من المستثمرين الأجانب تجربة مثيرة حقاً

وعلى ضوء ما ذكر، فإن احتمالات انتقال الأزمة إلى داخل الدولة ودبي لابد أن تأتي عبر إحدى القناتين، أولاهما هو وجود نسبة مرموقة من مؤسسات الاقراض المحلية تعمل في الأسواق العالمية وخصوصا الأمريكية منها وتتداول الأدوات التي تستخدم في قطاع الاسكان كالسندات أو صناديق التحوط، حيث في هذه الحالة لابد أن تتعرض هذه المؤسسات للأزمة، وثانيتهما أن نسبة كبيرة من مشتري العقار الأجانب عبر مؤسسات الرهن العقاري داخل الدولة تعود إلى الولايات المتحدة أو إلى دول تضررت بالأزمة المذكورة وبالتالي إمكانية أن يساهم هؤلاء في خلق نوع من العسر في السداد على أساس انخفاض السيولة التي يحتفظون بها.

وعلى صعيد آخر، فإن ولادة مؤسسة التنظيم العقاري اخيرا كمؤسسة تنفيذية تجارية مستقلة مالياً وإدارياً تتولى تنظيم القطاع العقاري في الإمارة وخصوصا عمل الشركات التي تدير العقارات والوسطاء العقاريين وإصدار اللوائح التنظيمية وكل ما يتعلق بهذا المجال، من شأنها تقوية قطاع العقار وكفالة استدامة نموه مستقبلاً.

ان استمرار النمو في الدولة ودبي لاسيما في ظل ملاءمة البيئة المحلية والاقليمية والعالمية على هذا النحو والتي تمخضت عن حقن الاقتصاد المحلي بسيولة عالية وجدت طريقها إلى قطاع المال والقطاع الخاص والأفراد هو في الواقع صمام الأمان لأية أزمة محتملة تأتي من الخارج، فالنمو العالي والمستمر في الدولة وفي ظل اقتصاد متنوع من شأنه توليد الدخول والثروات ومراكمتها مع الزمن من دون ضرائب أو تدخل حكومي ملحوظ، إلى جانب وجود دعم ومبادرات متلاحقة من الحكومة الاتحادية والحكومات المحلية في دعم الاقتصاد والسوق المحلي وتعزيز دور القطاع الخاص في عملية النمو الاقتصادي، كلها تعد متغيرات حاسمة في زيادة القدرة الائتمانية للمقترضين من مشتري العقار في الدولة، خصوصاً أنه من الملاحظ أن المعايير التي تشترطها مؤسسات الرهن العقاري العاملة في الدولة تشتمل إلى حد كبير على ضمانات القدرة على السداد لفترات معقولة، وما يعزز هذا الرأي - وكما أسلفنا بيانه - هو استمرار الطلب على العقار من الوحدات السكنية والتجارية معاً وهو ما يفسره أيضا استمرار ارتفاع القيمة الإيجارية لهذه الوحدات فضلاً عن قيمة العقارات نفسها وإن ساهمت هذه الأخيرة في رفع معدلات التضخم في الدولة.

كذلك يلاحظ عدم حصول ظاهرة مثل تلك التي حصلت اخيرا في الولايات المتحدة داخل الدولة على الرغم من مرور أكثر من أربع سنوات على تجربة العقار الحر، إذ إنها لا بد أن تشكل فترة اختبار كافية نسبياً للآلاف من مشتري العقار عن طريق الرهن من دون حصول تراجع في قدرتهم على السداد. وإن كنا نقر بأن نسبة من الصفقات العقارية جرت على أساس المضاربة وبالتالي عدم التزامهم بالسداد الدوري لأقساط الرهن، إلا أنه وفي الوقت ذاته يلاحظ وجود أعداد كبيرة من مالكي العقار حالياً سددوا أثمان ممتلكاتهم العقارية كاملة من دخولهم الشخصية أو من خلال تسييل بعض الأصول التي يحتفظون فيها داخل الدولة أو في أوطانهم.

من هنا، فإن الحديث عن احتمالات انتقال أزمة الرهن العقاري إلى الدولة وإمارة دبي على وجه الخصوص لابد أن يستأنف بالتعرف أولاً إلى آليات سوق العقار المحلي، والعمل الجاري على تعزيز شفافيته وتنافسيته، بل وعلى جاذبية الاقتصاد الوطني برمته والتي تعد بالنسبة للكثير من المستثمرين الأجانب تجربة مثيرة حقاً.

تلك هي باقتضاب محاولة متواضعة لاستشراف تداعيات الأزمة على الإمارات، لكن على الاقتصاديين في الدولة وسائر دول المنطقة والتي تشهد قطاعها العقاري رواجا ملحوظا، بذل الجهد للقيام بدراسات رصينة وتأسيس قاعدة معلوماتية بدلاً من الاعتماد على المشاهدات وما تتداوله وسائل الاعلام أو التقارير المحلية، ليس لطمأنة المستثمرين في مؤسسات الرهن العقاري بالدولة فحسب بل لمعرفة أين يسيرون في هذا القطاع، إضافة إلى الجاحة للتكهن باحتمالات انتقال الأزمات والصدمات الاقتصادية الخارجية على الاقتصاد الوطني بقطاعاته المختلفة، وتأسيس جهاز انذار للتحسس بأية علامات لانتقال مثل هذه الأزمات إلى الداخل.

* نقلا عن جريدة "الخليج" الاماراتية

عودة للأعلى
تعليقات حول الموضوع
 
 
هل ترغب في التعليق على الموضوع؟
الاسم :  
عنوان التعليق :  
نص التعليق :