طبـاعة


حفـظ


ارسال
الثلاثاء 13 رمضان 1428هـ - 25 سبتمبر2007م
تأثير أزمة الرهن العقاري على أسواق دول المنطقة

د. هنري توفيق عزام 

تراجعت المخاطر الاقتصادية المرتبطة بأزمة الرهن العقاري الأمريكية أخيراً مع قيام البنك المركزي الأمريكي بتقليص الفائدة على الدولار بنسبة 0.50%، غير أن أثر هذه الأزمة على الأسواق المالية العالمية سيبقى ظاهراً خلال الأسابيع والشهور المقبلة. فالأزمة التي ابتدأت في الولايات المتحدة الأمريكية، مع قيام المؤسسات المالية هناك بإقراض أفراد لا يتمتعون بسجل إئتماني جيد ووفرت قروضاً إسكانية لهم تفوق قدرتهم على الدفع، سرعان ما تحولت إلى أزمة مالية تهدد معظم الأسواق العالمية. وتم تحويل قروض الإسكان هذه إلى سندات مغطاة بأصول (collateralized debt obligations) وبيعت إلى مستثمرين مؤسساتيين في أوروبا وأمريكا اللاتينية وفي أنحاء أخرى من العالم مما أدى إلى تكبد هذه المؤسسات لخسائر متفاوتة وانكشافها أمام المخاطر المرتبطة بهذه السندات.

لا أحد يعرف حتى الآن حجم الأزمة والخسائر التي قد تتكبدها البنوك والجهات التي تتعامل معها والتي استثمرت في سندات الرهن العقارية المغطاة بأصول، وبالأخص صناديق التحوط العالمية. فالخوف من المجهول أدى إلى فقدان الثقة لدى المستثمرين الذين باتوا غير قادرين على تسييل أصولهم بأسعار مناسبة. وتشير التقديرات الأولية إلى أن حجم خسائر سوق قروض الرهن العقاري الأمريكي ذات التصنيف الإئتماني المنخفض هي عند حدود 250 مليار دولار أمريكي، وهذه تبدو محدودة إذا ما قورنت بإجمالي قيمة العقارات المنزلية في أمريكا والتي تقدر ب 21 تريليون دولار، أو بإجمالي أصول البنوك حول العالم والتي تقدر ب 64 تريليون دولار أمريكي أو إجمالي الناتج المحلي العالمي الذي يقدر ب 45 تريليون دولار أمريكي أو القيمة السوقية لأسواق الأسهم العالمية والتي تبلغ 42 تريليون دولار أمريكي، (23 تريليون دولار منها لأسواق الأسهم الأمريكية وحدها)، أو حتى حجم سوق الرهن العقاري السنوي والذي يقدر ب 3 تريليونات دولار أمريكي.

ومع قيام مؤسسات التصنيف الإئتماني بتخفيض درجة الجدارة الإئتمانية الممنوحة للسندات المغطاة بأصول عقارية فإن هذا سيؤدي بالعديد من المؤسسات التي استثمرت في هذه السندات والتي أعطيت أعلى التصنيفات سابقاً إلى عرضها للبيع مما سيؤدي إلى هبوط إضافي في الأسعار. كما أن صناديق التحوط التي سيتعذر عليها تسييل مثل هذه السندات قد تضطر إلى بيع أصول أخرى ذات أداء جيد لدعم ميزانيتها وتوفير السيولة المطلوبة، وهذه وصفة من المؤكد ستؤدي إلى المزيد من الهبوط في أسعار الأصول وإلى تراجع إضافي في ثقة المستثمرين.

بقيت أسواق الأسهم العربية بمنأى عما يحدث في الأسواق العالمية، وشهدت خلال الأسابيع القليلة الماضية تقلبات شبه طبيعية والسبب في ذلك يعود إلى أن غالبية اللاعبين في هذه الأسواق هم من المستثمرين الأفراد الذين ليس لهم تواجد يذكر على الساحة العالمية، إضافة إلى قلة الترابط بين أسواقنا والأسواق الدولية. أما المستثمرين من بنوك ومؤسسات وشركات عالمية والذين استثمروا في السندات المغطاة بأصول عقارية أو في صناديق التحوط التي تأثرت بشكل مباشر بالأزمة المالية الراهنة فهولاء سيتعرضون لخسائر يصعب الآن تقديرها.

إن إنكشاف المصارف العربية على أزمة الرهن العقاري الأمريكي وأدواته المالية يعتبر محدوداً. فمعظم البنوك العربية لا تستثمر سوى القليل في مثل هذه الأدوات، أما البنوك التي لها حيازة في صناديق تحوط تستثمر في سندات مغطاة بأصول عقارية فخسارتها ستكون بقدر حيازتها لمثل تلك الأصول. وحسب استطلاع أجرته شركة التصنيف الإئتماني “ستاندرد آند بورز” أخيراً فإن مجموع استثمارات بنوك المنطقة في سندات الرهن العقاري ذات التصنيف الإئتماني المنخفض لا يزيد على %1 من مجموع أصول هذه البنوك، حيث تنصب غالبية استثماراتها في أدوات ومشتقات مالية ذات التصنيف الإئتماني الجيد (AAA) او (AA). وبشكل عام فإن الأداء المالي الجيد للبنوك العربية خلال السنوات الأخيرة إضافة إلى قاعدتها الرأسمالية القوية وربحيتها العالية ستمكن هذه البنوك من امتصاص أية خسائر قد تتعرض لها جراء هذه الأزمة.

ومن الآثار السلبية للأزمة هو تأجيل إصدار وتسويق سندات دين أو صكوك صادرة من المنطقة أو إعادة تسعير هذه السندات وبشكل يعكس تراجع السيولة في السوق وضعف الطلب المحلي والعالمي على أدوات الاقتراض هذه. إن التقلص الذي سجل في هامش الفرق بين سعر الفائدة على السندات التي تصِّدرها الدول النامية وشركاتها مقارنة مع أسعار الفائدة على أدوات الدين التي تصِّدرها الدول المتقدمة والذي وصل إلى أدنى مستوياته قبل الأزمة الحالية، من المتوقع له أن يتسع مجدداً ليجاري إرتفاع نسبة المخاطر التي شهدتها الأسواق أخيراً.

ومع أن شركات الاستثمار المباشر التي تعمل في المنطقة هي أقل اعتماداً على الاقتراض لتنفيذ عمليات الدمج والحيازة مقارنة مع مثيلاتها في الدول المتقدمة، غير أن هذه الشركات لاحظت أخيراً صعوبة أو ارتفاع تكاليف تمويل صفقات حيازة جديدة. فعملية تقليص الاعتماد المفرط على الاقتراض لتمويل عمليات الدمج والحيازة والتي ظهرت بوضوح على الساحة العالمية سيكون لها تأثيرها أيضاً على الأسواق المحلية. فالبنوك العربية أصبحت الآن أكثر حيطة وانتقائية عند توفير التمويل المطلوب لشركات الاستثمار المباشر في وقت ضعف فيه طلب المستثمرين على أدوات الدين التي يتم إصدارها لهذا الغرض.

هذا الأمر يعني أن صفقات الحيازة والدمج التي تعتمد بشكل مفرط على الاقتراض من مصادر محلية أو إقليمية قد يتم إعادة تسعيرها أو الغاءها، وسيكون التركيز أكثر على الصفقات التي يمكن تمويلها بشكل أكبر من التدفقات النقدية للشركات المستهدفة ومن القروض التجسيرية التي توفرها البنوك. وسيلجأ المزيد من صناديق الاستثمار المباشر إلى بنوك الاستثمار التي تستطيع توفير هياكل إقراض إسلامي متطورة لتمويل عمليات الحيازة هذه.

إن التقلبات الحاصلة في أسواق المال العالمية سيكون لها بعض الأثر على البورصات العربية، خصوصاً أسواق الأسهم التي تسمح للمحافظ العالمية الاستثمار فيها. ففي فترات الأزمات يتجه المستثمر إلى تخفيض مخاطرة ويتحول من الأسواق الناشئة إلى استثمارات أكثر سيولةً وأماناً مثل السندات الحكومية. وعلى الرغم من صغر حجم تدفقات محافظ الاستثمار العالمية إلى أسواقنا المحلية إلا أنها ساهمت أخيراً في تحديد التوجه العام للبورصات العربية. ويشار إلى أن أكبر أسواق الأسهم الإقليمية من حيث القيمة السوقية، ألا وهو سوق الأسهم السعودية، لا يسمح للأجانب بامتلاك الأسهم إلا بشكل غير مباشر عن طريق صناديق الاستثمار التي تديرها البنوك المحلية، في حين أن أسواق كل من الإمارات والكويت ومصر وقطر والأردن تشهد وبشكل متصاعد زيادة في حجم الاستثمارات الأجنبية في بورصاتها.

إن صناديق التحوط العالمية والتي أصبحت أخيراً أكثر نشاطاً في أسواق الأسهم العربية قامت ببيع جزء من حيازتها في هذه الأسواق في محاولة منها لدعم أدائها المالي وتوفير السيولة المطلوبة. كذلك تأثرت أسواق أسهم دول المنطقة سلباً بتراجع عمليات الاستحواذ للشركات المدرجة مع ارتفاع تكلفة الاقتراض لتنفيذ مثل هذه العمليات.

لا بد من الإشارة إلى أن الانسحاب الذي سجل أخيراً لبعض المستثمرين المؤسساتيين من أسواق الأسهم والسندات الإقليمية يجب ألا يُنظر إليه على أنه تحول هيكلي طويل الأمد. فالأداء الاقتصادي القوي لدول المنطقة، وديناميكية أسواق رأس المال فيها ستبقى عاملاً جذاباً لرؤوس الأموال المحلية والعالمية التي تبحث عن مجالات استثمار مجدية، إذ إن هناك العديد من الشركات المدرجة في الأسواق العربية والتي لها نسب تقييم مغرية ولديها إمكانية تحقيق معدلات نمو مرتفع في ربحيتها ستكون موضع اهتمام لرؤوس الأموال العالمية.

إن أكبر المخاطر التي قد تنجم عن الأزمة المالية الحالية هو احتمال حصول تباطؤ اقتصادي عالمي. فالهبوط الذي سُجل أخيراً في أسعار العقارات السكنية في أمريكا وغيرها من الأصول والذي صاحبه ضغوط إضافية على عملية التسليف سيكون له أثر سلبي على المستهلك الأمريكي المثقل أصلاً بأعباء الديون، مما قد يؤدي لاحقاً إلى ظهور أزمة في قطاع التسليف عن طريق بطاقات الإئتمان وارتفاع في معدلات تخلف الشركات عن سداد ديونها. وهذه كلها بوادر لعملية تباطؤ اقتصادي قد تطول أو تقصر بحسب السياسة المالية والنقدية للولايات المتحدة. وسيشعر القائمون على السياسة النقدية في دول المنطقة أنهم مضطرون لمجاراة السياسة النقدية التوسعية التي أخذت الولايات المتحدة باتباعها أخيراً، وهذا سيؤدي إلى انخفاض أسعار الفائدة المحلية وأسعار صرف العملات العربية المرتبطة بالدولار وسيزيد من الضغوط التضخمية التي ظهرت مؤخراً في عدد من دول المنطقة.

في الختام، يمكن التأكيد مرة أخرى بأنه من غير المتوقع أن يكون للأزمة الحالية في الأسواق المالية العالمية أي تأثير يذكر وملحوظ على الأسواق المالية الإقليمية، ولكن تأثيرها سيكون أكبر في حال تحولها من أزمة مالية إلى أزمة اقتصادية. وحتى لو حدث تباطؤ في النمو الاقتصادي العالمي فإن أسعار النفط لا يتوقع لها أن تهبط إلى ما دون 60 دولاراً للبرميل من مستوياتها القياسية الحالية وهذا يعني أن الأداء الاقتصادي لدول مجلس التعاون الخليجي، والتي هي بمثابة المحرك الرئيسي لاقتصاديات دول المنطقة الأخرى، ستبقى قوية مدعومة بسياسة مالية ونقدية توسعية، أضف إلى ذلك تنفيذ دول المنطقة للعديد من مشاريع في البنية التحتية والنمو والتوسع الحاصل في القطاع الخاص.

وتشهد الأسواق العالمية اليوم ديناميكية مماثلة لتلك التي سادت إبان انهيار أسواق رأس المال العالمية في العام 1987، إذ قامت البنوك المركزية عندها بتخفيض نسبة الفائدة بسرعة تفادياً لأي تدهور إضافي قد يحصل. وهذا ما حدث بالفعل عندما قام البنك الفدرالي الأمريكي بخفض سعر الفائدة على الدولار بنسبة 0ر50 في المائة مما ساعد على إعادة بعض الثقة لدى المستثمرين. وتبين على مدى السنوات السابقة أن حال الهلع بالإمكان السيطرة عليها عند توفر السيولة المطلوبة، وعندما تقوم البنوك، وصناديق التحوط، وغيرهم من المستثمرين المؤسساتيين بالإفصاح عن نتائجهم المالية في نهاية الربع الثالث من هذا العام.

وأثبت انهيار أسواق الأسهم العالمية في العام 1987 أنه عندما تتعرض الأسواق لأزمة ثقة ويتم التفاعل معها بشكل مبالغ فيه، فهي توفر فرصة مثالية للمستثمرين الذين يبحثون عن فرص لاقتناص أصول يتم تداولها بأقل من قيمتها العادية. بالإضافة إلى ذلك، فإنه وبانخفاض حدة المنافسة من شركات الاستثمار المباشر العاملة في مجال حيازة الشركات عن طريق الاقتراض من سوق الإئتمان العالمية، فمن المتوقع أن تزيد معدلات حيازة الشركات من قبل الصناديق الاستثمارية الحكومية التابعة لدول المنطقة ومن المستثمرين المؤسساتيين الذين يتمتعون بفوائض رأسمالية كبيرة.

نقلا عن صحيفة "الخليج".
* الرئيس التنفيذي منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا دويتشه بنك.

عودة للأعلى
تعليقات حول الموضوع
 
 
هل ترغب في التعليق على الموضوع؟
الاسم :  
عنوان التعليق :  
نص التعليق :