د. فهد محمد بن جمعة
المنشأة الصغيرة هي التي يقل عدد عامليها عن 50 عاملا حسب معظم التعريفات المتبعة في كثير من بلدان العالم. علما أن عدد المنشآت الصغيرة يمثل أكثر من 85 % من حجم الأعمال التجارية الموجودة في اقتصاد ما، وهذا لا يستثنى منه الاقتصاد السعودي أيضا.
فقد أكدت بعض الدراسات الاقتصادية أن العديد من المدن في بعض الدول المتقدمة كان نموها الاقتصادي مقرونا بمشاركة المنشآت الصغيرة بينما تدهورت مدن أخرى نتيجة لإفلاس تلك المنشآت التي تعد محركا أساسيا لتنمية اقتصادية وركيزة استراتيجية لأي اقتصاد يتبع مبدأ الحرية في أداء أعماله.
إن التنمية الاقتصادية في جميع مراحلها مقرونة بنمو قطاع المنشآت الصغيرة والمتوسطه فكلما زاد حجم الاقتصاد بنسبة إلى المعدل السكاني كمعيار لقياس معدل النمو الاقتصادي الذي يشمل الاستثمار، الإنتاج (إجمالي الناتج المحلي)، التوظيف، الدخل، فإن الاقتصاد يشهد نوعا من الازدهار الاقتصادي يتم خلاله توظيف الموارد المالية والبشرية توظيفا أمثل, ولا سيما أن تلك التنمية الاقتصادية تستطيع أن تغير من طبيعة الاقتصاد عندما تغير من الاختيارات الاستثمارية واستخدام التكنولوجيا بما يتلاءم مع الظروف الاقتصادية السائدة والمتوقعة.
هكذا تسعى الدول في استراتيجياتها الاقتصادية إلى إنشاء بنية اقتصادية قوية متمثلة في سياساتها الاقتصادية من إقامة شبكة مواصلات متكاملة ونظام تعليمي وصحي حكومي على مستوى من الجودة والكفاءة من أجل التأثيرعلى الطبيعة الاقتصادية وخلق نظام اقتصادي يكمل بعضه بعضا ويؤدي إلى حركة اقتصادية أمامية وخلفية في حصيلتها يكون الاقتصاد قد وصل إلى معدل من النمو الاقتصادي حسبما هو متوقع له.
إنه من الأجدى أن يتم تنمية وتحفيز المنشآت الاقتصادية الصغيرة التي لا يستغني عنها أي اقتصاد في تنشيط حركته الاقتصادية من خلال عدم الإخلال بأحد عناصر الإنتاج (أرض، عمالة، آلات ومعدات، وتقنية) التي تستعملها تلك المنشآت في ممارسة أعمالها التجارية ويساعد توفيرها على خلق أعمال جديدة تكون لها قيمة مضافة إلى الاقتصاد الكلي.
فلذلك, من الضروري أن تسعى الدولة إلى تقليص عامل الخطر والتكاليف التي تواجهه تلك الأعمال الصغيرة في الاقتصاد السعودي حتى لا يتخدر الاقتصاد ونبقى معتمدين على سلعة النفط دون القدرة على تنويع مصادر الدخل الذي نحن في أمس الحاجة إليه, لذا من المفروض أن تفضي الاستراتيجيات الاقتصادية إلى تشجيع الاستثمارات مهما كان حجمها وزيادة حركة الأعمال بكل فعالية من أجل تحقيق المستوى الاستثماري التراكمي الذي يرفع معدل التوظيف والدخل الفردي سويا.
لقد أصاب الكثير من أصحاب المنشآت الصغيرة والمحللين الاقتصاديين حالة من الدهشة والترقب عندما أعلنت وزارة العمل الجديدة سابقا حرمان أي منشأه يقل عدد عامليها عن عشرة أشخاص من استقدام العمالة الأجنبية، حتى ولو كانت في أقصى حاجة لها. فعلا إنه موقف متحيز ولا يتمتع بنوع من الشفافية التي تهدف إلى تسهيل أعمال تلك المنشآت، إما لتهميش الوزارة لها أو عدم إدراكها لأهمية ذلك النوع من الأعمال التي في معظم الأحيان تضيف أكثر من 25 % إلى إجمالي الناتج المحلي كما هو حاصل فعلا في بعض الدول المتقدمة فما بالك باقتصادنا المتعطش الذي يبحث دائما عن تنويع مصادر دخله وتحقيق نمو اقتصادي حقيقي يتجاوز المعدل السكاني 4 %, ولكن لم تلبث إن غيرت الوزارة موقفها سريعا وتراجعت عن قرارها بعد ردة الفعل العنيفة عندما وجدت تلك المنشآت نفسها أنها غير قادرة أن تستمر في أداء أعمالها دون توافر العمالة المطلوبة.
إنه من الأجدى أن يتم تشجيع تلك المنشآت التي تضيف قيمة إضافية إلى إجمالي الناتج المحلي وتزيد من الحركة الاقتصادية وتخلق أعمالا جديدة وسوق عمل نشطة عند أجور تنافسية.
إن الاستراتيجية الوطنية التي طالما تتحدث عنها وزارة العمل لا تتعارض أبدا مع توفير عنصر العمالة لتلك المنشآت الصغيرة، حيث إن الوزارة نفسها أكدت ما كتبنا عنه الكثير أنه لا توجد بطالة اقتصادية وإنما هناك بطالة هيكلة في ظل وجود وظائف متعددة، ولكن غير مرغوب فيها من قبل العمالة السعودية، وهذا يتنافى مع الادعاء الذي يقول إن القطاع الخاص لا يرغب في توظيف السعوديين حتى لو حصل ذلك فهناك قوانين عمل تردع المنشآت من عمل ذلك.
أيتها الوزارة أردتي أن توظفي السعوديين بحسن نية ولكنك أخللت بالموازين الاقتصادية، فالمنشآت الخاصة بعضها قد أشهر إفلاسه والبعض الآخر في طريقه إلى الإفلاس عندما يأتي ما يسمونه الاقتصاديين بتأثير الأحق Lag effect قريبا وهذا يشكل أزمة إذا ما حدثت فإن عواقبها لا ترحم أبدا.
إن العلاقة بين معدل توظيف السعوديين وتقليص العمالة الأجنبية التي تحتاج إليها المنشآت الصغيرة ليست قوية إن وجدت، بل إنه من المؤكد أن تقليص العمالة الأجنبية سيلحق ضررا كبيرا بتلك المنشآت وينعكس تأثيره سلبيا على معدل توظيف السعوديين عندما تغلق أبوابها وينحدر معدل النمو الاقتصادي الذي ما زال النفط يعززه.
* نقلا عن جريدة "الاقتصادية" السعودية
|
