د محمد الكثيري
بعد أن فرغت من سماع محاضرة محافظ الهيئة العامة للاستثمار السعودية، التي قدمها ضمن نشاط جمعية الاقتصاد السعودية، وكذلك قراءة ما نشر عن استراتيجية الهيئة، وقفت في حيرة بين ما جاء في المبادرات أو الأدوار التي تسعى الهيئة إلى تحقيقها، وتحديداً ما جاء في المبادرة الرابعة، وبين ما تمارسه الهيئة من تشجيع للمستثمرين الأجانب بتطبيق حد أدنى متدن جداً يسمح لأولئك بالاستثمار داخل البلد. تنص المهمة الرابعة والتي جاءت ضمن استراتيجية الهيئة تحت عنوان إيجاد مستثمرين جدد "لن تكتفي الهيئة بخدمة المستثمرين القائمين فقط بل ستسعى الهيئة إلى إيجاد مستثمرين جدد من خلال دعم المواطنين من الشباب والشابات في بدء أعمال خاصة بهم بالاشتراك مع صندوق المئوية.
إن دعم جيل الشباب الصاعد في الدخول إلى عالم الاستثمار أمر بالغ الأهمية اقتصادياً واجتماعياً، لأن توجه الشباب والشابات إلى الاستثمار بجهودهم وأفكارهم الذاتية يعني توظيف أنفسهم بأنفسهم وتوفير فرص عمل جديدة أيضاً لغيرهم من أبناء وبنات الوطن. ونظراً لكون صندوق المئوية الذي وافق المقام السامي على إنشائه أخيرا يرمي إلى تشجيع الشباب والشابات على الاستثمار، فقد باشرت الهيئة في إيجاد شراكة تكاملية وتعاون إيجابي مع صندوق المئوية منذ بداية المرحلة التجريبية لنشاطه بحيث يوفر صندوق المئوية للشباب والشابات التمويل والتدريب، وتوفر الهيئة العامة للاستثمار عملية إنهاء جميع الإجراءات الحكومية نيابة عن الشباب والشابات المدعومين من قبل صندوق المئوية..
بداية لا أجد مبرراً لاهتمام الهيئة بالاستثمارات الصغيرة، وجعل ذلك أحد محاور استراتيجيتها الجديدة، سوى ما قلت في مقالة الأسبوع الماضي، اهتمام المحافظ ورغباته بل وارتباطه بصندوق المئوية. لا أدري كيف تستطيع الهيئة أن تحقق طموحاتنا من تشجيع الاستثمار وبالتحديد الأجنبي منه، فيما يتعلق بمساهمته في جلب التقنية، والخبرات الإدارية، والرفع من مستوى شركاتنا، ومواردنا البشرية، وهي في الوقت نفسه تسعى للأخذ بيد المستثمر المحلي الصغير الذي لا تتجاوز طموحاته الورشة والمطعم والمخبز وغيرها. إنني أرى أن ذلك تناقض يصعب التوفيق بينه، إلا إذا كانت الهيئة تسعى إلى توحيد كافة الجهود التي تعنى بدعم المنشآت الصغيرة والمستثمرين الصغار تحت مظلتها وتخصص لهم جانبا من اهتماماتها، وهذا أمر قد لا يكون مجدياً أو مقبولاً لدى البعض، مما يعني أن خروج الهيئة من هذا الأمر وتركيزها على الاستثمارات الكبيرة التي تحقق لنا أهداف الاستثمار المعروفة والتي تتسابق الدول على جلب الاستثمار من أجلها هو الأحق والأولى..
أما إذا كانت الهيئة، ترى أن ذلك يدخل ضمن نطاق عملها، فإنني كما قلت في بداية المقال لا أستطيع أن أفهم كيف توفق الهيئة بين هذا الأمر، وهي في الوقت نفسه تفتح الباب على مصراعيه من خلال الحد الأدنى للاستثمار "مليونا ريال" (الدولار يعادل 3.75 ريال)لكل من هب ودب ليستثمر في البلد. وقد سبق أن تطرقت لهذا الموضوع حينما ناقشت تصاريح صدرت من الهيئة لمستثمرات عربيات كانت كلها تدور في فلك المليوني ريال. ولأن الوضع مازال مستمراً، فإنني قبل كتابة هذا المقال كنت أتصفح جريدة "أم القرى" لتقع عيني على استثمار سعودي أجنبي مشترك، وهو بالمناسبة ليس بملايين الريالات، ولن يجلب لنا تقنية، أو خبرات إدارية، بل هو شراكة في مطعم شاورما بين مواطنة سعودية "يبدو أنها صورية من أجل النظام، حيث جاء مسمى مهنتها ربة منزل" واثنين من الإخوة الأتراك جاءت مهنة كل منهما "معلم شاورما" أما المبلغ المستثمر فقد كان مليوني ريال جاء مقسماً بين الجانب السعودي والشريكين التركيين والذي جاء نصيب كل واحد منهما 500 ألف ريال. إن هذا مثال واضح على التناقض بين حماس الهيئة لدعم المستثمر الناشئ والصغير، وفي الوقت نفسه فتح الباب على مصراعيه لكل مستثمر أجنبي بشروط ميسرة جداً لن يستطيع معها المواطن السعودي المنافسة. إن هذا لا يعني الوقوف ضد الاستثمارات الأجنبية، ولكنه دعوة إلى تحديد أي استثمارات نريد، وما هو الهدف من ورائها، كما أنه في الوقت نفسه دعوة إلى حماية المواطن الصغير من منافسة غير عادلة، نخشى أن تكون نهايتها اضطرار ذلك المواطن إلى إيداع ما لديه من مبالغ محدودة ـ كان ينوي استثمارها في البنك ـ والقبول بالعمل أجيرا عند صاحب المطعم أو الورشة أو المغسلة غير المواطن بالطبع.
*- نقلا عن جريدة "الاقتصادية" السعودية
|
