طبـاعة


حفـظ


ارسال
الخميس 30 شعبان 1425هـ - 14 أكتوبر2004م
أمام الغش التجاري.. نكون أو لا نكون

عبد الحميد العمري 

إنها الآفة التي ابتلينا بها، ولم نستطع بعدها الفكاك من أسرها؛ كيف أصابت تعاملاتنا التجارية ثم استشرت فيها، حتى لم نعد بعدها نعلم الصالح من الطالح من السلع والخدمات التي تتسرب إلى منازلنا.

أصبح "المستهلكون" هم من يتكبد أولاً وآخراً عناء البحث عن الجودة بين حطام الغش التجاري والتقليد وعلى تنوعه الذي تلون بين تلاعب بالأسعار بشكلٍ داخ معه حتى مراقب السوق، وبين تلاعب بتقليدٍ للسلع الأصلية ذات الجودة العالية التي قد تراها في أكثر من محلٍ، إما أنه قد جاء من مصنع فرنسي وعلى بعد خطوات من هذا المحل ستجده بقدرة قادر قد أتى من إيطاليا، والقاطع المشترك بين السلعتين ـ بغض النظر عن تطابقهما ـ هو تلك الكلمات "المخدرة" للبائع عن جودة هذه السلعة وروعتها والدقة التي اعتمدها المصنع الذي جاءت منه؛ وسيّان إن كان فرنسيا أم إيطاليا أم أي بلدٍ اشتهرت صناعته في ذلك المجال. فالقضية أنك سيدي المستهلك على وشك الوقوع بين أغلال أحد أسوأ أنواع الاستغلال التجاري ممثلاً في الغش والتدليس واستلاب نقودك بغير وجه حق.

ليتني أستطيع تصديق الأرقام التي أعلنت أخيرا حول حجم تجارة الغش التجاري والتقليد؛ والتي قدرتها وزارة التجارة بنحو 4 مليارات ريال فقط خلال العام الماضي. إنني أمام أرقامٍ أخرى حول العالم تتحدث عن تجارةٍ عالمية للسلع والبضائع المغشوشة تجاوزت 4 تريليونات ريال ( 1.1 تريليون دولار أمريكي) ، وبما أننا من أكثر البلدان في العالم استهدافاً من قبل أولئك "المجرمين" الذين يقفون خلف تصدير تلك المنتجات والسلع البائرة إلى أسواقنا؛ فإن رقم الأربعة مليارات الذي تم إعلانه أعلاه يظل ـ من وجهة نظري ـ رقماً خجولاً، وأرجو ألا يكون عشرة أضعافه ، فماذا يمنع ملايين العمالة الأجنبية التي تنتشر في جغرافيا أسواقنا المحلية بأجورٍ اسمية لا تتجاوز 300 ريال في الشهر، من أن تتورّط في إدارة وتفعيل العمليات القذرة للغش التجاري في أسواقنا؛ وكيف للكفيل ـ إن كان أسير أطماعه وجشعه ـ أن يقاوم مثل هذه الإغراءات والأرباح الخيالية؟.

وبعيداً عن توزيع الاتهامات هنا وهناك حول المتسبب في تردي "الذوق التجاري" لدينا، أتوجّه في البداية بأصابع اللوم والعتب إلى "المستهلك" ـ الهدف النهائي لتلك العمليات القذرة ـ الذي شجع تلك الأصناف من التجار "الغشاشين"، الذين اندسوا خفيةً في أسواقنا؛ نعم، إنه يشجعهم بالشراء منهم، بل إنه يحفزهم للمضي قدماً في تجاوزاتهم القانونية، ليس هذا فحسب، بل إنه بذلك التشجيع يرجح كفتهم على التجار الذين حافظوا على القانون والنظام وعدم الغش تحدثت إلى كثيرٍ من التجار الأمناء، الذين شكوا سوء أوضاعهم المالية بسبب إقبال المستهلكين على البضاعة المغشوشة ـ رغم علمهم بذلك الغش ـ يزيد من إقبالهم ذلك السعر المنخفض لتلك السلع أو المنتجات "المغشوشة".

تخيلوا أسواقنا التجارية وهي تشهد مثل هذا الإقبال المتزايد على ما هو في الأصل غش صريح، هذا الإقبال من المستهلك المحلي الذي يفتقد أدنى حدود المسؤولية تجاه نفسه وعائلته بالدرجة الأولى، بغض النظر عن بقية الاعتبارات التي لا تقل أهمية ففي ظل مثل تلك العادات الشرائية الخاطئة, هل نلوم بعدها تاجراً غلبه الطوفان لم يستطع مقاومته، إن هو أعلن إفلاسه وخروجه من السوق ـ وذلك أخف الأضرار ـ أو خضع لإغراء الكسب غير المشروع ممثلاً في استسلامه مذعناً لإغراءات الغش التجاري والتقليد والكسب غير المشروع أسوةً بما هو سائد من حوله؟. أو هل نلوم تلك المصادر المصنعة لتلك البضائع والسلع والمنتجات المغشوشة حول العالم التي بسبب تزايد إقبال البعض ـ إذا لم يكن الكثير ـ من شرائح المستهلكين لدينا على شراء واقتناء تلك السلع المقلدة والمغشوشة، إن هي جعلت من سوقنا المحلية الهدف النهائي الأكثر استقطاباً لما تنتجه من البضائع والسلع المقلدة والضارة صحياً وبيئياً واقتصادياً؟.

نعم القضية أوسع من مناقشتها من هذا الجانب فقط، فللقضية أبواب أخرى أكثر رعباً؛ فالمستهلك يحمل وجهة نظرٍ تقول "إننا نستجير بحرارة جمرة الغش من لهيب نار السعر الملتهب باحتكار الوكيل التجاري"، وتلك قضية تستحق الوقوف أمامها كثيراً وكثيراً بكل ما تحمله من معانٍ ، ولكن أقول ـ بكثيرٍ من الأمل ـ إن تلك النار في طريقها إلى الانطفاء مستقبلاً بعد انضمام السعودية إلى منظمة التجارة العالمية وحتى يتحقق ذلك ينبغي لنا جميعاً كمستهلكين وكجهاتٍ مسؤولة أن نعمل معاً على محاربة الغش التجاري بكل ما أوتينا من وسائل متاحة وممكنة، وأن نتكاتف للقضاء تماماً على وجوده في أسواقنا إنها غاية في مقدورنا الوصول إليها رغم وعورة وصعوبة طرقها، وعلى كل طرفٍ أن يقوم بمهامه وواجباته ومسؤولياته بأعلى حس من المسؤولية والمواطنة المستهلك وقد علم بواجباته حسب ما أوردنا أعلاه.

بقي على إخواننا وأهلنا ممن ينتمون إلى فئة التجار أن يتذكروا الله فينا، وأن يخافوه فينا وفي أبنائنا وفي وطننا، وأن يعلموا إن هم نجوا من حساب "وزارة التجارة" أنهم غير ناجين من حساب الله ، كما يجب على الوكلاء التجاريين والحصريين لبقية السلع والمنتجات الأصلية أن يراعوا الله فينا أيضاً، وألا يستغلوا تلك الوكالات الحصرية "لجلدنا" بسياط الأسعار المرتفعة وغير المبررة لسلعٍ ومنتجات نجد كثيرا منها في بلدانٍ مجاورة لنا بنصف سعرها ـ بغض النظر عن سعرها في وطن المنشأ، إننا أمام قضية أكبر من كل سياسات وجزاءات الرقابة على تلك الأنشطة، فأمام كل تحرزٍ رقابي وتجاري من قبل المسؤولين على أنشطة وعمليات الغش التجاري، ستجد له عند "مجرمي تلك الأنشطة" ألف وسيلة وفكرة شيطانية لتجاوزه.

أخيراً، بالنسبة للأجهزة الرقابية ممثلةً في مصلحة الجمارك ووزارة التجارة والصناعة, وتحديداً الإدارات المعنية بمواجهة عمليات الغش التجاري والتقليد، أؤكد أن أول أسلحة المواجهة الفاعلة مع تلك "الأنشطة السرية" لتلك العمليات هو الشفافية الإعلامية، فالمستهلك بحاجةٍ أكبر ليس إلى "الحماية"، بل إلى "العناية" و"التوعية" و"التثقيف" بخطورة وحساسية تلك الأنشطة المخالفة للأنظمة، سواءً على مستوى الأفراد أو على مستوى الوطن بكافة اتجاهات كلٍ منهما ثم، الفعالية القصوى في تطبيق القوانين والعقوبات الصارمة ضد كل من سوّلت له نفسه ارتكاب تلك "الجرائم" في حق مجتمعه ووطنه ثم، زيادة وتنسيق الجهود والأعمال التكاملية بين جميع الجهات الرسمية والأهلية المعنية "الغرف التجارية والصناعية والشركات الكبرى" في إطار مواجهة تلك العمليات المشبوهة للغش التجاري والتقليد، مع أهمية إشراك أفراد المجتمع في تلك الجهود من خلال المؤتمرات والندوات ووضع الجوائز القيّمة والتحفيزية لكل من يساهم في كشف وفضح تلك العمليات الإجرامية الخفية انتهى المقال هنا، وابتدأت المواجهة مع الغش التجاري من هنا أيضاً، فمن يضع يده بيدي لأجلنا جميعاً؟.

*- نقلا عن جريدة "الاقتصادية" السعودية

عودة للأعلى
تعليقات حول الموضوع
 
 
هل ترغب في التعليق على الموضوع؟
الاسم :  
عنوان التعليق :  
نص التعليق :