الأوروبيون يطالبون بإبرام عقود عملهم باليورو أو الجنيه
الدولار يطرد العمالة من الخليج ويفقده جاذبيته كوجهة للعمل
دبي – محمد عايش
يحزم كثير من الوافدين العاملين في الخليج حقائبهم ويتأهبون للعودة إلى بلادهم، بعد أن اكتووا بنار الأسعار التي ترتفع بأسرع بكثير من ارتفاع رواتبهم، فيما لم تعد منطقة الخليج بيئة جاذبة لكثيرين يقولون إن تهاوي سعر صرف العملة أدى إلى تآكل مدخراتهم ورواتبهم.
وثمة ارتباط وثيق بين انخفاض سعر صرف الدولار عالمياً، وبين الارتفاع الكبير في الأسعار ونسب التضخم العالية التي تشهدها منطقة الخليج، كما يرتبط الأمر أيضاً بتآكل الرواتب والمدخرات المالية، خاصة بالنسبة لأولئك القادمين من بلاد لا ترتبط عملاتها بالدولار، وبالتالي ارتفعت أمام الدولار وأمام العملات الخليجية المرتبطة به.
وباستثناء الكويت، فإن كافة العملات الخليجية مرتبطة بصورة كاملة مع الدولار الأمريكي؛ الذي سجل انخفاضاً في سعر صرفه يتجاوز الـ40% خلال السنوات القليلة الماضية، مما تسبب تبعاً لذلك بانخفاض سعر صرف العملات الخليجية المحلية بالنسبة ذاتها في الأسواق العالمية وأمام العملات الأخرى.
 |
وافدون يرجعون ويستعد كثير من الوافدين إلى العودة لبلادهم مع حلول موسم العطلات الصيفية، حيث يكون العام الدراسي قد انتهى وبات بمقدور الطلبة الانتقال بسهولة إلى بلدانهم، كما تكون الكثير من عقود إيجار المساكن قد انتهت أو شارفت على الانتهاء، وأصبح بمقدور السكان إخلاء منازلهم دون أن يترتب عليهم أية التزامات مالية.
وقال إبراهيم حسن، الذي يعمل مهندسًا في القطاع الخاص بإمارة دبي منذ عدة سنوات، إنه اتخذ قرار العودة النهائية إلى بلاده منذ عدة أشهر؛ لكنه كان في انتظار انتهاء العام الدراسي، الذي سيشكل انتهاؤه أفضل فرصة للانتقال.
ورغم أن حسن قال لـ"الأسواق.نت" إن الوضع الاقتصادي في بلاده يزدادُ سوءاً كل يوم، إلا أنه يقول إنه لم يعد قادراً على تغطية المصروفات المتزايدة مع ارتفاع الأسعار، وزيادة إيجارات المساكن.
ولا يبدو أن حسن هو الوحيد بهذه الحال، فهو يقول إن كثيرا من العائلات غادرت الخليج، وبقي رب الأسرة وحيداً في مكان عمله، حيث هذا هو الملاذ الوحيد من ارتفاع الأسعار وتآكل الرواتب، ومن سوء الأوضاع الاقتصادية في بلدانهم الأصلية بنفس الوقت. |
 |
خريسات: عقود باليورو ويؤكد المحلل الاقتصادي رامي خريسات أن الاقتصادات الخليجية تتكبد خسائر نتيجة ارتباط عملاتها المحلية بالدولار الأمريكي المتهاوي، إذ يشير إلى أن أعداداً متزايدة من الموظفين القادمين من أوروبا أصبحوا يطلبون إبرام عقودهم باليورو أو بالجنيه الإسترليني، عندما يأتون للعمل في الخليج من أجل المحافظة على مراكزهم المالية.
وبحسب خريسات ففي الوقت الذي يشهد فيه الدولار هبوطاً في سعر الصرف، فإن النمو الاقتصادي الذي تشهده المنطقة يتطلب أعداداً متزايدة من الموظفين الأجانب الذين يشكل تسديد رواتبهم باليورو عبئاً جديداً على الاقتصاد.
ويقول خريسات لـ"الأسواق.نت" إن "انخفاض سعر صرف الدولار يُفقد الاقتصادات الخليجية جزءاً كبيراً من مكاسب ارتفاع أسعار النفط"، فحسب خريسات "سجلت أسعار النفط ارتفاعات كبيرة في العقود الآجلة، لكن في المقابل ارتفعت أسعار الواردات التي تقوم أقطار الخليج بشرائها من الخارج".
ويدعو خريسات إلى تغيير سعر صرف العملات الخليجية المحلية أمام الدولار إذا لم يكن ممكناً فك الارتباط به تماماً، ويرى أن "ارتفاع أسعار النفط والسلع يعود إلى الانخفاض الكبير الذي يشهده سعر صرف الدولار؛ إذ أصبح الناس والمستثمرون يبحثون عن ملاذ آمن لأموالهم، حيث يجدونها في هذه السلع". |
 |
وهبة: خسائر كبيرة وتتفق كبيرة المحللين في شركة أوريون بروكرز نادين وهبة مع خريسات في أن "اقتصادات الخليج تتكبد خسائر كبيرة من جراء الارتباط بالدولار"، وترى أن أول وأكبر خسائر الخليج تتمثل "في فرق العملة التي تخسره المنطقة من جراء تقويم أسعار النفط وبيعه بالدولار؛ الذي ينخفض باستمرار"، لكن نادين ترى أن الارتفاع المتواصل في أسعار النفط خفف من هذه الخسائر وقلص الشعور بها.
وتضيف نادين "كنا سنواجه مشكلة كبيرة في الخليج لو انخفض سعر صرف الدولار بالتزامن مع انخفاض في أسعار النفط".
وبحسب نادين وهبة فإن ثمة خسائر أخرى تترتب على اقتصادات الخليج من جراء انخفاض الدولار، وهذه الخسائر تتمثل في انخفاض قيمة الاستثمارات الخليجية الخارجية المقومة بالدولار، وهي "خسارة ليست ناتجة عن الاستثمار في المكان الخطأ، وإنما عن التقويم بالدولار، كالاستثمار في سندات الخزانة الأمريكية أو في الأسهم والأوراق المالية بالولايات المتحدة"، بحسب ما تقول نادين وهبة.
ولا ترى نادين وهبة أن انخفاض أسعار صرف العملات الخليجية المحلية سيؤثر في استقطاب العمالة الأجنبية، إذ تقول إن نسبة كبيرة من العمالة الوافدة ترتبط عملات بلادها أيضاً بالدولار بما يعني عدم شعورهم بأي تغير في قيمة رواتبهم ومدخراتهم، كما أن العمالة الوافدة من أوروبا تتقاضى عالية كفيلة بتعويضها عن الفرق في سعر صرف العملة.
وسجل الدولار الأمريكي انخفاضاً كبيراً أمام العملات الأجنبية الأخرى، وخاصة أمام اليورو والين، حيث هوى سعره بنحو 38-40% خلال السنوات الثلاث الأخيرة، فيما يتوقع المراقبون أن يتكبد مزيداً من الخسائر لو تعرضت إيران إلى هجوم عسكري، سواء شاركت فيه الولايات المتحدة بشكل مباشر أم لم تشارك. |
