نابلس – سامر خويرة
يواجه القطاع الصناعي الفلسطيني تحديات عديدة أوصلته إلى حالة من الشلل، ففي الضفة الغربية، وإلى جانب المعاناة من الاحتلال تتحدى البضائع الصينية المستوردة التي تباع بأثمان زهيدة نظيرتها من المنتوجات المحلية التي تواجه أيضا إجراءات الاحتلال التي أنهكت أيضا قطاع غزة المحاصر؛ حيث أغلقت كافة مصانعه أبوابها.
وتعاني الصناعات الفلسطينية الناشئة أزمة كبيرة بسبب سياسة الإغلاق والحصار الإسرائيلية المفروضة على كافة المدن الفلسطينية منذ اندلاع انتفاضة الأقصى قبل ثماني سنوات، والتي زادت وتيرتها خلال الأشهر القليلة الماضية وخاصة في قطاع غزة؛ حيث فضلاً عن الحصار يتم استهداف المنشآت والورش الصناعية بالقصف والتدمير.
 |
الضفة الغربية.. حواجز لا ترحم ففي الضفة الغربية، تتسبب الحواجز العسكرية الإسرائيلية المقامة على الطرق الرئيسة والفرعية وفي مداخل المدن والقرى في عرقلة وصول المواد الخام واليد العاملة مما يكبد المنشآت الصناعية خسائر يومية باهظة.
ويرجع مختصون انخفاض الإنتاج الصناعي كذلك لجملة من العوامل والمؤثرات الخارجية والداخلية، بدأت في أعقاب تحرير التجارة والأسواق واتفاقية "باريس" الاقتصادية الموقعة بين السلطة الفلسطينية وإسرائيل؛ حيث يشيرون إلى أن المنافسة أصبحت غير عادلة بإغراق السوق المحلي بالبضائع القادمة من جنوب أسيا وشرقها، التي تنافس بأسعارها الرخيصة وليس بجودتها الإنتاج الفلسطيني الذي يرزح تحت وطأة الحصار والإغلاق.
ويؤكد اقتصاديون أن المخرج من الأزمة يتطلب استقرارا أمنيا وسياسيا يتمثل بإنهاء الاحتلال وقيام دولة مستقلة قادرة على سن التشريعات، وكذلك فتح باب الاستثمار للمستثمرين بالداخل والخارج وتسهيل إجراءات دخول رأس المال بالإضافة إلى إقامة مناطق صناعية مناسبة وإنشاء بنوك صناعية متخصصة. |
 |
نابلس.. نموذج حي وكانت نابلس ولا تزال نموذجا حيا لما آلت إليه الصناعات الفلسطينية الناشئة، حيث عمد الاحتلال الإسرائيلي إلى التدمير المبرمج للقطاع الاقتصادي فيها، فالحواجز المحيطة بها من جهاتها الأربع حولتها على سجن كبير، بالإضافة إلى منعه إدخال المواد الخام اللازمة للصناعة، مما تسبب في وقف الإنتاج في أحيان كثيرة، وإلى ضعف في المواصفات والمقاييس المطلوبة للسلع المحلية المنتجة.
كما تعرضت المنشآت والمناطق الصناعية داخل المدينة وفي محيطها لأضرار مباشرة بسبب الاجتياحات الإسرائيلية المتكررة، أو لأضرار غير مباشرة نتيجة عدم تمكن العاملين وأصحاب هذه المصانع من الوصول إليها، وعدم قدرتها على تسويق منتجاتها، مما تسبب في خسائر كبيرة امتدت لتطال رأس المال، ففقدت قدرتها التنافسية.
وبحسب الإحصاءات فإن المدينة تلعب دوراً حيوياً في الحياة التجارية والصناعية الفلسطينية، ففيها أكثر من 15 ألف منشأة تجارية وصناعية تعادل 13% من مجموع المنشآت في الضفة الغربية وقطاع غزة، كما بلغ حجم الصادرات التي خرجت من نابلس عام 2007 (5.4 مليون دولار).
وتنفرد نابلس باحتواء العديد من الصناعات التقليدية الشهيرة كالصابون والحلويات والملابس وغيرها التي تضررت بسبب الممارسات الإسرائيلية، حيث انخفض إنتاج المنشآت الصناعية لأقل من 50% من طاقتها الإنتاجية، وأغلقت 35% من المنشآت في المنطقتين الصناعيتين المحيطتين بالمدينة، وارتفعت بسبب ذلك تكاليف المواد الخام بنسبة 15% وانخفض حجم المبيعات لأقل من 60%.
وتراجعت صناعة الصابون النابلسي الشهير، إلى مستويات منخفضة للغاية، وباتت مهددة بالتوقف الكلي مؤخرا، رغم أنها احتلت المركز الأول في صادرات المدينة، بنسبة وصلت إلى 41.5% عام 2001. |
 |
بضائع رديئة مستوردة ويقول مالك أحد مصانع الملابس في نابلس محسن مطيع "إنه نتيجة لتدهور الأوضاع الاقتصادية وقلة المواد الخام اللازمة للصناعة، اضطرت معظم المصانع لإغلاق أبوابها والاعتماد على البضائع الرخيصة المستوردة من الخارج، كالبضائع الصينية".
ويؤكد في حديثه لـ"الأسواق.نت" أنه يرفض استيراد البضائع الرديئة وإن كانت رخيصة الثمن، مضيفا "رغم ذلك فقد توجه الناس لشراء هذه البضائع الرديئة متجاهلين بذلك نوعيتها وجودتها، وأنا أبرر لهم ذلك نظرا لانخفاض دخل الأسرة وارتفاع البطالة، فقد أصبحت ربة المنزل تفضل شراء القطع الرخيصة حتى ولو كان استخدامها بشكل مؤقت".
ويوافقه الرأي التاجر عميد محجوب؛ حيث يرى أن البضائع الأجنبية غزت الأسواق المحلية بطريقة مخيفة مستغلة تراجع الإنتاج المحلي بسبب الانتفاضة وممارسات الاحتلال، مؤكدا لـ"الأسواق.نت" أن نسبة المنتج المحلي في السوق الفلسطيني أصبحت لا تتجاوز 10%، بينما نسبة البضائع الأجنبية سيئة الجودة تتعدى 90%.
ويتابع محجوب "الملام الوحيد في ذلك هو الاحتلال، فلولا وجوده لما تم الاستيراد من الخارج ولاعتمدنا على الدخل المحلي، فأنا من الأشخاص الذين يفضلون المنتج المحلي ويعتزون به لأنه يعود بالفائدة على المجتمع بأكمله". |
 |
الخليل ليست أفضل الحال الاقتصادي المتردي ليس في نابلس وحدها، فمدينة الخليل جنوب الضفة الغربية التي كانت توصف بـ"قلعة الاقتصاد الوطني"، أغلقت معظم مصانعها وهجرها أصحابها، ومنهم من تحول إلى قطاع الاستيراد من الخارج.
وبحسب غرفة صناعة وتجارة الخليل فإن قطاعا صناعة الملابس والأحذية من أكثر القطاعات الصناعية تضررا بفعل إجراءات الاحتلال؛ حيث كان عدد المؤسسات العاملة في الملابس يزيد قبل انتفاضة الأقصى عن 200 مؤسسة ومشغل، أما الآن فلا تتجاوز عدد أصابع اليد الواحدة، وفي صناعة الأحذية كان هناك 30 مصنعا آليا و500 ورشة يدوية و500 ورشة لصناعة وجوه الأحذية بالإضافة إلى 13 مدبغة جلود جميعها كانت تعمل بكفاءة، أما الآن فقد أغلقت أبوابها. |
 |
غزة.. أنهكها الحصار وفي قطاع غزة المحاصر منذ عدة شهور، اضطر 3900 مصنع عن التوقف كليا عن العمل، ونظمت اللجنة الشعبية لكسر الحصار جنازة رمزية لهذه المصانع التي كانت تشغل أكثر من 100 ألف عامل.
وقال رئيس اللجنة الشعبية لكسر الحصار د. جمال الخضري "إن عددا كبيرا من المشاريع بغزة توقفت بسبب عدم توافر المواد الخام والمواد الأساسية للصناعة، فيما بلغ مجمل خسائر تكلفة مشاريع تنموية للبنى التحتية 550 مليون دولار على مدار تسعة شهور من الحصار".
وأشار الخضري إلى أن قرابة 80% من سكان قطاع غزة باتوا تحت خط الفقر، مشيرا الى ارتفاع معدلات البطالة في صفوف القوى العاملة، عدا عن أثر الحصار في فقدان أكثر المواد الأساسية للمصانع في القطاع.
وبحسب دراسات عدة، فإن القطاع الصناعي الفلسطيني يواجه مشاكل عدة، أهمها المشاكل التكوينية التي تتعلق في بنية وتأسيس الصناعة نفسها، بالإضافة إلى قلة رؤوس الأموال وضعف المعلومات المتعلقة بالإنتاج والتكاليف والأرباح المتحققة، فضلا عن مشاكل تتعلق بـ"ضعف القدرة التنافسية للمنتجات الفلسطينية" من حيث الجودة والسعر.
لكن المشكلة الأهم التي تواجه الاقتصاد الفلسطيني تتمثل في "الاحتلال الإسرائيلي" وما يسببه من صعوبات، والأنكى من ذلك الارتباط القسري معه، فما تزال الضفة الغربية وغزة، السوق الرئيسي للبضائع الإسرائيلية. |
