فيما أكد مسؤول في مجلس الغرف أن اهتمامهم بالأمر كان من باب جمع المعلومات فقط
تجار سعوديون ينفون معارضتهم إقامة جمعيات تعاونية لتوفير السلع بأثمان مخفضة
الرياض - نضال حمادية
نفى تجار جملة ومستوردون بشكل قاطع ما يتردد في الشارع السعودي عن وقوفهم في طريق تأسيس جمعيات تعاونية استهلاكية داخل المملكة؛ الأمر الذي يتوقع له أن يساعد في ضبط أسعار السلع الأساسية وتوفيرها بأثمان معقولة لجميع المواطنين، لا سيما أصحاب الدخل المحدود.
وذهب البعض أبعد من ذلك معلنا تأييده التام ومطالبته بإقامة مثل هذه الجمعيات؛ لأنها لا تؤثر على حجم أعمالهم كما يشاع بل تنشطها.
 |
مصالح متوافقة بداية، استفسرت "الأسواق. نت" من مدير إدارة البحوث والدراسات الاقتصادية في مجلس الغرف السعودية عن صحة ما يقال بشأن دراسة المجلس لفكرة إنشاء جمعيات تعاونية في المملكة، فأفاد بأن المجلس لم يقم بإجراء دراسة متكاملة بالمعنى الدقيق للكلمة، كما نشرت بعض الصحف.
وأوضح إبراهيم صالح القرناس "كل ما في الأمر أننا كنا نقوم بعملية جمع معلومات للاستئناس بها، في إطار جهد أشمل للبحث في الحلول المقترحة لمواجهة الغلاء، ومن ضمن هذه الحلول الجمعيات التعاونية بالطبع".
وألمح القرناس أكثر من مرة إلى أن فكرة تأسيس الجمعيات في المملكة لم تكن مطروحة في مجلس الغرف، حتى يتم صرف النظر عنها أصلا، وأن عملية جمع المعلومات عن فكرة أو مشروع لا تلزم بتبنيه والاستمرار في متابعته.
وأكد القرناس أنه في حال قام المجلس بدراسة متكاملة لفكرة الجمعيات مستقبلا، فإنه سيبادر لرفع النتائج والاقتراحات إلى الجهة المعنية، نافيا بشدة أن تكون الغرف التجارية منحازة إلى صف التجار، مما يجعلها تتلكؤ في دراسة موضوع الجمعيات وتفعيله، قائلا "مجلس الغرف لم توجد إلا لخدمة الاقتصاد الوطني، الذي نقدم مصلحته على أية مصلحة"، لكنه استدرك "أستطيع أن أزعم أن مصلحة التجار الحقيقيين ومصلحة الاقتصاد الوطني لا يمكن أن تتعارضا غالبا، ومشكلتنا ليست هنا بل هي مع الدخلاء على مجتمع التجارة والأعمال الذين يرتكبون الغش وغيره من المخالفات". |
 |
تأخيرها قلل فرص نجاحها من جانبه قال محمد عبد الرحمن الشعلان، مدير عام شركة الشعلان التجارية "إن التجار لا يمكن أن يقفوا حجر عثرة في طريق إنشاء جمعيات تعاونية في المملكة، وأنا شخصيا من أول المؤيدين لها، شرط أن تقام داخل الأحياء حتى تخدم أهلها بشكل مباشر، لا أن تكون على أطراف المدن وبعيدة عن المساكن".
إلا أن الشعلان وهو عضو في لجنة المواد الغذائية بغرفة الرياض، رأى أن تجربة الجمعيات كان يمكن أن تنجح بشكل أكبر لو طبقت في وقت مبكر، قبل أن تتكاثر أسواق السوبر والهايبر ماركت وتحجز موقعها القوي في السوق، فضلا عن احتلالها المواقع الاستراتيجية داخل المدن، معتبرا أن هذا الوضع سيقلل إلى حد ملموس من فعالية ونجاح الجمعيات في حال إنشائها.
ونبه الشعلان إلى عائق آخر يتمثل في تنظيم الأحياء السكنية، والذي لا يسمح بقيام الأسواق التجارية داخلها، مما يعني أن فرص إنشاء جمعيات قريبة من المستفيدين ضئيلة أو تكاد تكون معدومة.
وعمّا إذا كان التجار يخشون إنشاء الجمعيات لأنها ستضبط الأسعار وتلزمهم بحدود معينة لا يمكن تجاوزها، ردّ الشعلان "هذه الخشية غير واردة لدينا، فالبلد مفتوحة والمنافسة شديدة ومستمرة، سواء وجدت الجمعيات أم لم توجد". |
 |
السر في التسويق وثنـّى مدير عام التموين في شركة عمر صالح بابكر على ما قاله الشعلان بطريقة أخرى، مبينا "إنشاء الجمعيات التعاونية من مصلحتنا؛ لأننا سنكون من موردي البضائع لهذه الجمعيات، فلماذا نقف ضدها؟".
وأضاف أحمد حسن الحسيني "إن الجمعيات التعاونية موجودة على أرض المملكة منذ زمن وفي عدة أماكن، مثل الجمعيات في عرقة والعيينة والمجمعة وجامعة الملك سعود وغيرها، لكنها لا تعمل بشكل سليم؛ لأن من يديرونها غير ملمين بأساليب التسويق الناجح، التي تجعل الجمعية تبيض ذهبا".
واستشهد الحسيني بتجربته الشخصية السابقة في إدراة جمعية جامعة الملك سعود لمدة 3 سنوات، كان يحقق فيها للجمعية ربحا سنويا يقارب 3 ملايين ريال توزع على المساهمين، فضلا عن الحوافز المرتبطة بكمية مشتريات كل مساهم من الجمعية، تبعا لما هو مدون في سجله، والكلام للحسيني.
وحول إذا كان هناك احتمال لمبادرة ذاتية من قبل التجار في سبيل إقامة جمعيات تعاونية كبرى بدل انتظار المبادرات الرسمية، أجاب الحسيني بصراحة "أولوية التجار تكمن في تطوير أعمالهم أولا، مما لا يترك لديهم فائضا من وقت أو جهد للبحث في تطوير أمور أخرى". |
 |
التجار أيضا تضرروا وأشار الحسيني بأن هناك جهات مرتبطة بموضوع الجمعيات ويمكنها أن تتحرك فيه بفعالية لو أرادت، لا سيما البلديات التي تملك أراض واسعة يمكن أن تمنحها للجعيات المقترحة مجانا أو تؤجرها بمبالغ متواضعة وشروط ميسرة، حتى تتمكن الجمعية من الوقوف على قدميها، بدل أن تكون عرضة للخسارة جراء اضطرارها لتغطية ثمن الأرض أو إيجارها المرتفع من عوائدها.
وفسر الحسيني نظرة الجمهور السلبية للتجار بأنها ناجمة عن اختلاف زاوية النظر، فالذي يرى شيئا من الخارج غير الذي يراه من الداخل، وهؤلاء المشككون يتكلمون من منظارهم، غير مدركين أن التجار وشركاتهم قد تأثروا بغلاء المنتجات من مصدرها كذلك، ضاربا لذلك مثلا بانخفاض أرباح قطاع التموين الذي يديره لعام 2007 عن مثيلاتها في 2006، رغم أن قيمة المبيعات أعلى بمرة ونصف.
وشدد الحسيني على أن التجار ليسوا سوى واسطة بين المنتج والمستهلك، وأن شركتهم لا ترفع سعر أية مادة بنفس نسبة ارتفاعها من المنشأ بل تعمد إلى أخذ متوسط بين سعر المخزون القديم وثمن السلعة الجديدة، لكن الشق أكبر من الرقعة، حسب تعبيره. |
 |
مطالب.. شكوك.. اتهامات بالمقابل سلط تاجر سعودي الضوء على عامل عدّه سببا في تأجيل ملف الجمعيات في المملكة وربما طيه إلى الأبد، وقال التاجر الذي فضل حجب اسمه "أستطيع أن أقول كما يردد جميع التجار أنني لست ضد إنشاء الجمعيات التعاونية، وأنا كذلك فعلا، ولكن القرار ليس بيدنا حتى نقبل أو نرفض"، متابعا "أعتقد أن هناك توجها رسميا لعدم إقامة الجمعيات منعا لفتح باب محتمل من أبواب الفساد الإداري والمالي، الذي تسعى الحكومة لسد المنافذ عليه من كل صوب، بدليل إقرار تأسيس هيئة عليا للنزاهة ومكافحة الفساد".
ولفت التاجر إلى أن إقامة جمعيات تعاونية غير مدعومة في سنواتها الأولى، سيجعلنا أمام كومة من الشركات المساهمة الغارقة في الخسائر والمشاكل الإدارية والمحاسبية، علما أنه بالإمكان اختصار الطريق عبر توجيه هذا الدعم المقترح للجمعيات إلى مستحقيه من ذوي الدخول المنخفضة مباشرة.
ويشهد الشارع السعودي منذ مدة اهتماما بسبل كبح جماح الغلاء، واقتراحات مختلفة من أبرزها إقامة جمعيات تعاونية، وسط مطالب بالبت في هذا الحل سريعا، مصحوبة بشكوك واتهامات تلقي باللوم على كبار التجار في عرقلة هذا المسعى.
كما يبدو الاستغراب واضحا في ثنايا أحاديث الناس عن سر تأخر المملكة في تطبيق تجربة الجمعيات، رغم نجاحها في عدد من البلدان المجاورة والمشابهة في ظروفها الاقتصادية للسعودية، وفي طليعتها دولة الكويت التي خاضت غمار هذه التجربة منذ ستينات القرن الماضي، مؤسسة اتحادا للجمعيات التعاونية الاستهلاكية ينضوي تحت لوائه 15 مركز تسوق كبير وحوالي 550 فرعا، موزعة على امتداد التجمعات السكانية، ومن ضمن مهام هذا الاتحاد ضبط سعر أكثر من 30 ألف سلعة استهلاكية. |
