البوعينين: متفائل من انعكاس الميزانية الجديدة على معيشة المواطن بشكل إيجابي واضح
التنمية المستدامة تحظى بنصيب الأسد في أعلى ميزانية بتاريخ السعودية
الرياض - نضال حمادية
فتحت الميزانية المالية لعام 2008 آفاقا جديدة نحو تعزيز صدارة الاقتصاد السعودي على المستويين العربي والإقليمي، ببلوغها مستوى تاريخيا وصل إلى 410 مليارات ريال (الدولار = 3.75 ريالات)؛ وهو ما يزيد بـ30 مليار ريال عن ميزانية العام الجاري، وفقا للبيان الصادر عن مجلس الوزراء يوم أمس الإثنين عقب إقراره الموازنة القادمة.
ولم يكن المستوى القياسي للنفقات هو الشيء الجديد الوحيد في الميزانية، إذ عكس توزيع هذه النفقات اتجاها حثيثا نحو الاهتمام بالتنمية المستدامة وجميع ما يخصها ويتعلق بها من قطاعات التعليم والتدريب والصحة وسواها، والتي استأثرت بنصف مصروفات الميزانية، منها 105 مليارات لقطاع التعليم، و45 مليارا لقطاع الصحة والخدمات الاجتماعية.
وتوزع النصف الباقي على عدة قطاعات، أهمها قطاع المياه والزراعة والتجهيزات الأساسية بحصة تتجاوز 28 مليار ريال، وقطاع الخدمات البلدية، الذي نال 17 مليارا، ومثلها تقريبا لقطاع النقل والاتصالات.
 |
تحفظ مزدوج وفي هذا السياق قال الخبير الاقتصادي فضل البوعينين، إن أبرز ملامح الميزانية المقترحة هو تركيزها على التنمية الشاملة والمستدامة، لاسيما قطاعي التعليم والتدريب، اللذين خصصت لهما أكثر من ربع اعتمادات الميزانية، معتبرا أن التركيز على التعليم التقني هو مما يُحسب للحكومة ويسجل ضمن النقاط الإيجابية في بند النفقات.
وفيما يخص موضوع الفوائض المالية، رأى البوعينين أن توزيع الفائض المالي لميزانية العام الحالي جاء موفقا، عبر تقسيمه إلى ثلاثة بنود، هي احتياطي الدولة، والدين العام، وصندوق التنمية العقارية، موضحا أن مواصلة ضخ جزء كبير من الفوائض في صندوق الاحتياطيات يعكس اهتمام الحكومة بمواجهة أية أزمات أو استحقاقات طارئة، ولكن السؤال يبقى متحمورا حول طريقة استثمار هذه الأموال المودعة في صندوق الاحتياط.
وأشار البوعينين إلى أن انخفاض تقديرات الفائض المتوقع للسنة القادمة ناتج عن تحفظ مزدوج بشأن سعر وحجم الإنتاج النفطي للبلاد، وهو أمر معتاد في الميزانيات السعودية المتعاقبة، علما أن الفوائض الحقيقية غالبا ما تكون ضعف الفوائض المقدرة.
وعما إذا كان من الأفضل للدولة أن تلجأ لتقليص الدين العام بدل تعظيم حجم احتياطيها سنة فسنة، أكد البوعينين أن العوائد المتوقعة على استثمار 100 مليار ريال، ربما تكون أعلى من النفقات المتوجبة على خدمة الدين العام، وهذا هو السبب الذي يدفع الحكومة للاهتمام بصندوق الاحتياط وتنميته، متوقعا أن يتحقق خفض كبير في نسبة الدين العام مع نهاية العام 2008، بل ربما يكون هناك إطفاء نهائي له، لاسيما أن الدولة قادرة على تحقيق هذا الهدف إذا أرادت، وفق تعبيره.
وقد نجحت السعودية خلال 2007 في تخفيض دينها العام إلى 267 مليار ريال، ما يعادل 19% من حجم ناتجها الإجمالي، بعد أن خصصت لتسديده قرابة 53 مليار ريال من إجمالي الفائض المقدر بـ179 مليار ريال.
وفيما ثار جدل واسع مطلع السنة الحالية حول معدل إنفاق الدول الخليجية ومنها السعودية على مشاريع البنى التحتية، بعد تحذير من البنك الدولي ومطالبته بتقليص هذا البند، فقد عبر الكاتب الاقتصادي البوعينين عن اعتقاده بأن المملكة لا يمكن أن تخفض الإنفاق على مثل هذه المشاريع لأنها تشمل جانبي التحديث والإنشاء، فضلا عن أن المعطيات تشير إلى أن الإنفاق عليها سيكون مضاعفا خلال العام المقبل نظرا لتعثر أو بطء تنفيذ بعض المشروعات التي كانت مقرة سابقا؛ ما يعني تفاقم مشكلة التضخم.
وحول التحولات التي يمكن أن يلمسها المواطن العادي في حياته بعد إقرار أضخم ميزانية في تاريخ البلاد، لفت البوعينين إلى أن أغلب شكاوى المواطنين تتلخص في جملة واحدة: "لدينا فوائض وأموال كثيرة لكننا لا نرى شيئا"، وهو انطباع ساهم في تكوينه تأخر تنفيذ المشروعات الحيوية الكبرى، التي يمكن أن يحس المواطن بأثرها على دخله فيما لو نفذت، مثلما أحس مع خطوة تخفيض أسعار الوقود أو دعم مادتي الأرز والحليب مؤخرا، مبديا تفاؤله من انعكاس ميزانية 2008 بشكل إيجابي واضح على معيشة السعودي، في ظل توقعات باستمرار القرارات الداعمة والمنصفة.
ونوه البوعينين أكثر من مرة بتحويل 25 مليار ريال من فائض الميزانية إلى صندوق التنمية العقارية، وذلك على مدى 5 سنوات متواصلة؛ ما يؤمن مصدرا ثابتا لهذه المؤسسة يُرجى أن يساعدها كثيرا على تفعيل دورها في خدمة مختلف شرائح المجتمع.
|
 |
انخفاض غير مفسر بدوره توقف عبد الحميد العمري عضو جمعية الاقتصاد السعودية عند عدة نقاط في الميزانية الحالية، من أهمها انخفاض الإيرادات العامة لسنة 2007 عن مثيلتها للعام الفائت بحوالي 7%، مع أن سعر النفط حقق ارتفاعا بنفس النسبة خلال هذا العام قياسا إلى سعره سنة 2006.
ورغم أن بيان الميزانية لم يقدم تفسيرا لانخفاض إيرادات الميزانية الحالية، إلا أنه من المستبعد أن يكون متعلقا ببند النفط، ومن الأرجح أن هذا الانخفاض ناجم عن تخفيض بعض الرسوم مثل الرسوم الجمركية، حسب قول العمري الذي اعتبر ارتفاع الإنفاق الفعلي في ميزانية 2007 من الأمور اللافتة، مشيرا إلى أنه زاد بحوالي 50 مليار ريال عن حجمه في العام الماضي، بسبب دعم بعض المنتجات وتنفيذ مشاريع في الحرمين الشريفين، وغير ذلك من الأسباب التي عرضها بيان وزارة المالية عن الميزانية.
وحول تراجع الفوائض المالية لميزانيات الأعوام الأخيرة، قال العمري: إن تراجع الفوائض أمر يجب أن يدعو للطمأنينة وليس للخوف كما يظن البعض، خصوصا أنه يأتي على حساب ارتفاع الإنفاق الرأسمالي أو ما يسمى الاستثماري إلى معدلات غير مسبوقة وبنسبة تقارب 17% من إجمالي الميزانية، في وقت كان لا يتعدى 7% في السنوات السابقة، بل إنه كان يقترب من نقطة الصفر في أيام العجز.
وبين العمري أن آثار الإنفاق الرأسمالي لا تظهر مباشرة، وقد تحتاج من 3 إلى 4 سنوات لتأخذ مداها الفعلي والإيجابي، موضحا أن الإنفاق على بند التنمية المستدامة ارتفع من 41% العام الماضي إلى حوالي 50% هذا العام.
واستطاعت الميزانية السعودية تحقيق فائض قياسي بحلول 2006 تخطى حاجز 260 مليار ريال، منخفضا إلى 179 مليارًا هذا العام، مع تقديرات رسمية بوقوفه عند 40 مليار يال للعام القادم، ومع هذا فقد ذكّر العمري بأن تقديرات فائض العام المقبل هي ضعف تقديرات العام الحالي، التي سبق أن تم تخمينها بـ 20 مليارا، قبل أن تكشف الأرقام الفعلية عن تضاعفها تسعة أضعاف تقريبا.
وشدد العمري على أن الاهتمام بتخفيض الدين وإطفائه مسألة حيوية، كما أن وجود رصيد ضخم في الاحتياطي لا يغني عن الاجتهاد في إدارته بمعايير مهنية وطرق أكثر كفاءة تضمن عدم تراجع قيمته في ظل استشراء التضخم، كاشفا عن أن أموال الاحتياطي ما تزال تستثمر في أدوات مالية منخفضة العوائد نسبيا.
وفي موضوع متصل، حذر العمري من استمرار التأخر في تنفيذ بعض المشروعات الكبرى، لاسيما أن هناك مشاريع معمدة منذ عام 2006 ولم تتقدم أية جهة لتنفيذها، وقد يكون الأمر مرشحا للتفاقم في المستقبل ما لم تتول الحكومة زمام المبادرة وتدخل في شراكة قوية مع القطاع الخاص لتنفيذ تلك المشروعات الضخمة التي تتراوح عقودها بين 80 و100 مليار ريال.
|
